الأربعاء، يونيو 02، 2010

بير عز



لم يكن صباحاً ذلك الوقت الذي وقفت فيه الحاجة مليحة ، مستندة إلى السور المنخفض، الذي رمّمه المرحوم زوجها بالطين حمايةً للتنور وشجرة التوت ، قدام البيت الإيطالي الضخم الجاثم مهيباً على التلة ، في الجهة العليا من القلعة التي هي قريتنا، ذي السقف العالي المنسجم مع قمة الصنوبرة الهرمة المائلة لتخفي الجزء الأكبر من نافذته الكبيرة، التي لو دعمت بدرجة أو درجتين أسفلها لكانت باباً.


البيت الذي كان سجناً أيام الطليان كما يروي شيوخ القرية، العالي السقف علواً لو استغل أفقياً لازداد عدد حجراته، كما هو تعليق الحاجة مليحة المتأسف في كل مناسبة يضيق فيها البيت ـ أو تضيق هي ـ بالضيوف.

لم يكن صباحاً ذلك الوقت إذن، وإلا لكانت الحاجة مليحة تشق الدرب الأحمر النحيل ـ الذي يقسم الوادي الذي يقسم القرية حيين ـ بأنفاس أعلى تلوح حيناً وتتوارى بين جداري السنابل والخبّيز راجعة من الحظائر، حاملة فوق رأسها سطل حليب طازج، مقطعةً دندنتها بكلماتٍ منفلتة من حوار داخلي، وأساورها في ذراعيها ترنـّن كلما ناوبت بينهما في حمل ما تحمل.

ولم يكن قيلولة، حتى تكون في الشباك الخلفي العالي تصيح مرة واحدة، مثلما في كل قيلولة كل يوم:

(يا مسعوآد)، الذي تعرف أنه لن يكون إلا مع أقرانه، وقد انهمك في جمع خنافس "بودرنـّه" من تحت أرواث البقر الذي ألجأه "بوطقـوق" إلى ظلال دار "الماتوري"، ولهبّ تاركاً ما جمع من أغنام لعبته تلك، وقد مسه انزعاج من ذلك الصوت الجبروتي، الذي صدر على إثره في ثلاثةٍ أو أربعة من بيوت القرية عن الآوين في رطوبتها من أصحاب الدكاكين الهاجعين هجيراً، كم تعليقاً ساخراً أو متبرماً من العجوز الشمطاء، التي لا تقيل ولا تدع أحداً يقيل.

كما لم يكن عصراً ذلك الوقت، حتى تكون العجوز مليحة واقفة تصيح ـ بلا شك مثل عصر كل يوم ـ منادية على ابنها بـ (يا مسعوآد). مضيفة هذه الألف الممدودة لدعم الموجات الهوائية لتنقل إلى الولد حيثما يكون من القلعة ـ في أحد أبراجها أو إحدى حجرات الحراسة أو في مخبأ من المخابئ أو متزحلقاً على صفيحة على أحد الأسيجة الخفيضة المنحدرة ـ رغبتها الملحة في أن يكون ماثلاً في التوّ بين يديها، المتدلي من إحداها قفـّة أو برميل، أو ديك مذعور يصيح بعد صياحها، أو تصيح بعد صياحه، داهمته في "البونيـّه"، لكي يذبحه ذكر البيت الوحيد بعد المرحوم، أو يحمله للسوق.

إنما كان غروباً ذلك الوقت، ذلك الوقت الذي وقفت فيه العجوز مليحة، وهي تنعب نعيباً ـ ولا تصيح ـ أو تخور خواراً مثل بقرة تشممت دماء عجلها (يا عـ آآآآز)، ثم تتبع ذلك بتمتمات مسموعة وأدعية واستفهامات مفجوعة عن اختفاء ابنتها حتى ذلك الوقت المريب، (ياعـآآآز)، وحيث أن هذا الاسم يقيّد حنجرتها الملعلعة دون تمديده أو تفخيمه، فقد كانت تضيف (يا بنيّة هيه، يا هييييييه ! روّحي عطك ادعوه، روّحي راكي نشفت ريقي الله اينشف ريقك)، فيما عيناها ترصدان زاوية الباب الصغير للقلعة حيث البئر.

لكنّ عزّ لم تلح وهي تنوء بحمل سطل من الماء يندلق على ساقيها مع كل خطوة من خطواتها المتعثرة في الأحجار النابتة، أو تقف بعد كل مسافة لترفع طرف ردائها الذي سقط فانغمس في مائه البارد، وحينا آخر ترصدان باباً من أبواب الجيران قد يصر صريرا طويلاً تتبعه كركرات عز والبنات.

طال صياح العجوز وتعرض صوتها المبحوح، ثم وهن ووهن ووهن، فانغمس شيئاً فشيئاً في الهمس، إذ كان قلبها قد انتشر وراء فلذته في الجهات، ممتزجاً بغبار غروب تذرذره أجنحة أوّل طيور الليل فوق أسطح البيوت القديمة، وقرص الشمس المحمرّ يتقسم مربعات فمربعات خلل شريط الكوى على طول الجزء الغربي من سور القلعة، ثم صارت تلوح خيالات قامات في الظلام، تتدلى بمحاذاتها فنارات واهنة الضياء حزينته، كأحداق الكائنات الليلية، وتتسرب وتضطرب وتحتشد وتتفرق في أنحاء من أزقة وزوايا القلعة الإيطالية الطلل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة