الاثنين، مايو 31، 2010

جولاطي




الصيف


جفّف طحلبَ الأسطح


جنـّحَ الشبابيك


وقال للبطيخ كنْ


ومثلَ كلّ مرةً
أوّلَ مرة ٍ


زوبعة ً


تطلع من حنجرةِ البوقِ العربة ُ الثلاجة


ويطلع البائعُ من ندائه :


جولاطي!


جولاطي!


جولاطي !

الأحد، مايو 16، 2010

ماريليانو



على هضبة الرجمة ـ تلك التي كوّمها بكفيه العملاق أبو زيد الهلالي* ليشرف من فوقها على سهل برقة؛ ليرى بعينه الناجية من شظايا عظام غولة اعترضت طريقه فقضى عليها وأحرقها ـ حشرت ملايين الأحجار، المشوبة بحمرة الطين وخضرة الطحالب، بأحجام وأشكال مختلفة، أكواماً أكواما، لبناء سور قلعة الرجمة خريف عام 1923م .*


كاد ماريليانو، وهو يستلم آخر أحجار شغل ذلك اليوم من أيادي الليبيين المسّخرين، أن يظل، في زيّه العسكريّ دجاجة بيضاء، لا حزن ولا فرح، آلة َ هذر وبناء، كما أُريد له و منه أن يكون، ومن آلاف ٍ غيره يومَ ضُمّ إلى سريّة الشئون الإدارية، بكتيبة المدفعية الثالثة والعشرين، في الجيش الإيطالي الذي توالى منذ عام 1911م غازياً ليبيا .


- ( عجباً ! هل رأيتك أيتها الحجرة من قبل ؟ ) . كان ماريليانو يحدّث الحجارة وهو يشتغل.ـ ( هنا في بداية البناء ؟، أم هناك في مزرعتنا ؟، المقادير تسوق حتى الحجر، لماذا أنت بالذات ؟ هذا العبث ليس عبثا )، يفرش لها ملءَ ملعقة اسمنتا


( كوني هنا، لو كنت إنساناً لتمرّدتِ، بل لتألمت، كم في طاعة الحجر من عصيان! ).


وبينما هو يستلم الحجرة التالية يسمع بوق نهاية الدّوام المسائي، تركها تقع على الأرض، و ضع إصبعيه في أذنيه، وأخذ يشير إلى معاونه بعينيه وحاجبيه، حتى هز الرجل رأسه بالإيجاب، فأخرج ماريليانو إصبعيه وقال :


ـ ( إذن فقد نفخ الشيطان الرجيم في بوقه، يا له من منشار يمزّق أضلعي ) .ثم عاد والتقط الحجرة، و وجّه كلماته إلى كل العمال:(ولكنكم تحبّونه أيها الملاعين، "فينيتو"، انصرفوا إلى بيوتكم وأولادكم، ألم تسمعوا موسيقى الجحيم؟).


وعاد إلى حديثه مع الحجارة ( وأنت أيتها الملساء !)، ودوّرها بين كفيه، ليجد جانباً مستوياً يقرّها به في البناء ( لا تعجبي، في كون واحد يمكن أن يلتقي كفـّا رجل من بطن امرأة إيطالية، مع حجرة من بطن أرض ليبيّة، من المحتمل أن يصبح قلبي، نعم قلبي هذا، عنصراً في براز ضبع ليبيّ) .انتبه لوجود بزّاق لاصق بالحجرة :


ـ ( أيها اللعين، بأيّ أمر جِئَ بك إلى هنا أنت الآخر ؟ ألم تكن في البحر يا مسكين ؟).


حاول اقتلاعه بظفره، فوقع في بقية خلطة الأسمنت، فغرفه ضمنها :


ـ ( يبدو أنك لا تريد أن تنجو، أم أنك سئمت القوقعة وتطمح في بيت إسمنتي ؟ ) .


قاوم رغبة في استخراج البزّاق وقذف بالملعقة آخر الإسمنت.


ـ ( خذ، لك الأسمنت؛ و لي البذلة العسكريّة) .


رمى الملعقة بقوّة جانباً، وخبط كفيّه ببعضهما، ثم انتصب متأوّهاً و انحنى إلى الوراء ضاغطاً بيديه على ظهره، ثم أرسل نظره إلى أكوام الحجر الساكنة؛ إلاّ من صفيرِ ريحٍ خفيف فيه برودة جافة لاسعة حول الأكوام، يثير زويبعات ضعيفة في الخشاش اليابس:


ـ ( وأنتم، ابقوا هنا حتى الصباح، إيّاكم أن تتحركوا، هل سمعتم ؟، إيّاكم أن تهربوا، إنها أوامري أنا، أنا " الدّوتشي" هنا، أضعكم أينما أريد وأنساكم، وينساكم الزمن في هذا السّور الطويل العريض، " آرّيفاديرتشي ") .


واستدار متجهاً صوب المبيت، بعد أن لملم عدّته في كيس دلاّه من فوق كتفه.


كان المكان قد سكن، حيث آب كلُّ الجنود والعمال، إلا من خفقة أو خفقتين من أجنحة طيور عبرت فوق رأسه إلى أوكارها، أو اضطراب خفّاش يسابق نفسه، أو رتل قطيع من بقر هناك خلفه، يتقدّم ببطءٍ على شاشة الغسق، مثيرا غباراً نحاسياً بين أرجله النحيلة، في دربه في آخر الأصيل، وفي طريقه انحنى على عصا، و أخذ وهو يصفـّر يضرب بها الهشيم الذهبي لشجيرات "القـُوس" الشوكية، وكويمات تراب الخَلْد البنية، وفجأة وقف، لقد انتبه، لقد تذكر أنه لأول مرة ـ منذ وصل إلى هذه الأرض الغريبة ـ قد نسي كل شيء، أحس بأن قلبه قد ثقل وتضخم مثل هضبة، ها هو الحزن ـ الذي كان يغالبه بهذره وعمله المتواصلين ـ يتسرب إلى قلبه على حين غفلة منه، كان لا بدّ منها، وأدرك في لحظة ـ المسافة بمائها و يابستها بينه وبين قريته، التي مدّت في مخيّلته دروبها إلى عينيه، مثل كلّ مرة كان يرجع إليها في الأصيل من حقله البعيد، البعيد.وتناهى إلى سمعه صوتٌ شجيّ وإن كان جهوريّا، من جهة المبيت " تي ررا، ري ررا، عمري وكلُّ ثوانيه لي، ررا؛ وذات مرّة أذكر أنني نسيت ! ررا )، وقد عرفه، إنه صوت "بيانكو" المهذار، الذي حزنه لا يتجاوز حنجرته، لا شكّ راجع من الخلاء مغنياً، كعادته كلما قضى حاجته، ولقد عرف الأغنية أيضاً، إنها تلك الأغنية الشعبية التي كم سمعها في المذياع، دون أن يهتم بها، وها هي تتخذ في روحه معانيها التي ألفها رجل مجهول؛ تفرّقت عظامه منذ زمن طويل.


اقترب من المبنى، كان القمر برتقالة ضخمة فوق الهضبة الأخرى، تلفّت حوله، وتنحنح ليخفي ما يعانيه، ودلف إلى الحجرة، كان رفاق "ماريليانيو" يهذرون متحلّقين طاولة خشبية عرجاء، عليها خريطة كبيرة تدلّت حوافها على الجانبين، يتصايحون وبين الحين والحين تصدر عنهم قهقهة عالية، حيّاهم بحنق كأنما يسبّهم، " بونا سيْرا"، لكنهم لم ينتبهوا لدخوله، وجد ذلك مريحا بالنسبة له، اتّجه إلى سريره في الركن، كان حزيناً ومغموماً حتى فَـَقـْدِ كتلتِه، لم يقو على خلع حذائه الجاف الأشهب؛ بيديه المتورمتين المتشققتين، وكان من عادته ـ دون أن يعي ـ إذا فقد السيطرة على حزنه أن يغفو، فانطرح على سريره .


ـ ( ليبيا جنوب إيطاليا ) قال بيترو، الذي يتوسط المجموعة ويتحدث مستعيناً بالخريطة ( بيننا وبينها بحر)، فقال ماريليانو بينه وبين نفسه تحت الغطاء :


ـ ( هذا مبرر كافٍ لمجيئنا إليها ) .


ـ ( وهذه مالطا ) أضاف بيترو، واضعاً سبّابته على نقطة في الخريطة :


ـ ( انظروا كم هي صغيرة، و وسط الماء ) .


ـ (يقال أن للمالطيين أثرَ خياشيم في جيوبهم الأنفية ) كذلك قال بيانكو الذي عبر إلى غرفة أخرى حاملاً بيده إناءً، علت قهقهة من المجموعة، وابتسم ماريليانو في ذهنه .


ـ ( دعنا من مالطا ) قال برونتي وقد أدنى وجهه من الخريطة وراح يتمتم :


ـ ( أين... ؟ أين... ؟ أين.... ؟ ).


ـ (عمّا تبحث ؟ ) سأله بيترو .


ـ ( أين كونفرسانو على هذه الورقة المهترئة ؟ ) أوضح برونتي، فاصطنع بيترو ضحكة وقال :


ـ ( كونفرسانو؟، كونـ فر سانو غير مهمّة حتى ترسم على خريطة، ولكنها تقريباً ... هنا ) .


ـ ( بل هنا ) ردّ برونتي عالياً وهو يضع يده على أيسر صدره.


ـ ( أما هذه فنابولي، ناااااااااابولي ) صاح بيترو وقبّل نقطة على الخريطة ثم أضاف :


ـ ( الخريطة قصيدة الغرباء، تميمة المغتربين، تعويذة من الحنين، إني كلما داهمني الحنين أتأمل في الخريطة، أعلم أين أنا وأين مدينتي ) .


ـ ( أما أنا فلا أفضل أن أحمل شيئاً يذكرني بما أفقده، حتى الرسائل لم أقرأها، أما الصور فأطعمتها النار) قال برونتي بصوت متهدّج.


ـ ( من الأفضل أن لا يحمل المرءُ حتى رأسه في الغربة ) تمتم ماريليانو بين النوم وبين اليقظة .


ردّ بيترو :


ـ ( كم أنت قاسٍ يا برونتي).


ـ ( بالعكس ) صاح برونتي ( بل أنت. وعسكريٌّ أيضاً أنت يا بيترو ) .


أجاب بيترو :


ـ ( شيءٌ خير من لاشيء يا صديقي برونتي ) .


ـ ( العشاء أفضل من كلِّ شيء ) صاح بيانكو الذي دخل عليهم بصحاف العشاء ( هيّا أيها البهائم، أجنودٌ وشعراء ؟ ) .


ثم نظر إلى حيث سرير مارليانو :


ـ ( ماريليانو !، العلف أيها الرومانتيكيّ ) .


هبّ الجميع واندلقت الخريطة، وقرقعت الكراسي، واتخذ كلٌ مكانه إلى المائدة، وكان ماريليانو قد نام عن الصمت الذي ساد، وتخلله حيناً بعض الهمهمات، أو رنين الملاعق في الآنية، وأنينٌ بدأ يغلظ ـ للريح التي أخذت في الارتفاع ـ في أضلع باب الحجرة .


نام يحلم بنفسه بملامح ابنه الصغير؛ مرتدياً ثوب طفل ليبيّ طويلاً مخطّطاً ــ كان قد رآه الأيام السابقة وراء أسلاك المعتقل، ينظر إليه وقد ارتسمت على فمه ذاتُ ابتسامتِه ــ وعلى جبهته قد لصق بزاق .


في الصباح كانت ظُلّة حمراء منفوثة من أرض القلعة تتمدد فوق الرجمة، كانت النساء في الشرفات والشبابيك، والشيوخ في ظلال المباني أو حول الجرّافة، ينظرون بإعجابٍ يضيء وجوهَهم إلى سائقها الأعور المأخوذ بنطاحها للسّور المزدوج الأصم، ويهللون مع كل هدير لأحجار القلعة المتهاوية، والأطفال يجرون متصايحين وراء جمجمة يجرّها أحدهم بسلك معدنيّ، وكان هناك قليل من الشباب، وفي العشية سالت أودية حمراء نحيلة جفّتْ؛ قبل أن تصل إلى المباني الجديدة أسفل القلعة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أسطورة خلق الرجمة في الرجمة على الأقل.

* 1923 تاريخ تركه أحدُهم على لطخة أسمنتية على جدارالباب الكبير الشرقي للقلعة.

* نشرت القصة مطلع التسعينيات بصحيفة النهر الصادرة عن المهرجان.

الاثنين، مايو 10، 2010

بيت الغزال



أقاربنا الذين يسكنون في المدينة ؛ في بيتهم غزال ، جلبه رب الأسرة ذات رجعة من حيث عمله في الصحراء ، مع الجبن الأصفر والحلوى الطحينية والتونة والزيتون ، ويقال أنه حين دعاه رفاق رحلة العودة إلى ذبحه أقسم لهم بالله ثلاثا أن لن يفعل ؛ لا هو ولا أحد منهم ، فقد رأى في عيني الغزال عيني (جازية ) ، وهمَّ بأن يرسله في الرمال ، لولا احتجاج الرفاق بأن لا يفعل ، فعاد وتحايل عليهم ؛ أو على نفسه ؛ بأن يولم به لهم يوم يحوز الغزال الإنسي في بيته .

لقد كان جديَ غزال بنيّاً مرقط المتن بالأبيض ، ذا قرنين كإبهامين ، كان قدَمَ سعد ٍعلى (عيسى) ، حيث ما استقر الغزال في البيت أسابيعَ حتى تيسر أمر قصة حبه لجازية ؛ فخطبها وتزوجها ، جازية ربة البيت إلى الآن ، التي ظلت سنوات تتفرج على الغزال وتنجب البنات .

وكان يطيب لي كثيراً ؛ كأيّ طفل ؛ الحديث للرفاق عن غزال أقاربنا الذين في المدينة ، ولم يكن ينغص عليّ حالة التباهي بتلك الحكايات سوى أني لم أكن مستعدا للإجابة ؛ لا بلا ؛ ولا بنعم ؛ عن سؤال ماكر من أحد رفاق اللعب (وأنت عمرك شفته غزال العرب اللي يعرفوكم في لبلاد و ؟ ) ، ببساطة لأني لم أره قط ، بينما رآه كثيراً إخوتي الكبار ، فضلا عن أختي الصغيرة ؛ التي كان يتيح لها ترددها على مستشفى الصدرية ؛ زيارتهم والمكوث لديهم أياماً ، قطّ لم أره ، ولا حتى في ذلك اليوم الربيعي الوحيد الذي مرّ فيه ببيتنا عيت عيسى ، سي عيسى وعمتي جازية ؛ وغزالة وقليدة وجفـّالة وريم ومها ؛ ليتزودوا باللبن وخبز التنور؛ وهم في طريقهم إلى (الزرده) في الوادي ، وليوصوا أبي ليعمل للغزال حجاباً مثلثاً من العين ، ولتـُلحِق أمي بهم أختي نجمة ، وكان الغزال فيهم ؛ فيما وراء الكرسي الخلفي لسيارة المورس الفورمايكا .

ولم يكن يهوّن علي شعوري بالغلبة ـ حين لا أقوى على اللجوء إلى فضاء الخيال ـ إلا حضور ابن ِ خال ِ ولد ِ عمتي ؛ الذي ينوب عن أحلام يقظتي بالقص عن مغامرات يطلقها وراء الغزال ، لكنها سرعان ما تجتازه إلى أبعد ، بعد أن يكون قد اختار لي فيها شخصية ً ؛ أجد أن لا بدّ لي من القبول بها ؛ شخصية تأخذ في التحول من أسد إلى أرنب قبل نهاية كل قصة .

أقاربنا الذين في المدينة ، كان في بيتهم غزال ، قطعت شطراً من طفولتي وأنا أحلم برؤيته ، وأباهي بحديثي عنه للرفاق ، ويشاكسني الرفاق بعدم رؤيتي له ، وينتهز ابن خال ولد عمتي الفرصة لإطلاق خياله ، ولكنني ـ ذات يوم نسيتـُه ـ نسيتُ ذلك الحلم وتلك الرغبة ، فما الذي حدث لي ؟ ، أو ما الذي حدث لأهلي فلم يعودوا يتحدثون عنه ؛ فيذكرونني به ؛ وبحكايتي معه ؟ ، وما الذي حدث للرفاق فلم يعودوا يسألونني عنه ؟ ، وما الذي حلّ بالغزال ؟ ، إنما من المؤكد أن الغزال ـ الذي كان بمثابة فرد من أفراد أسرة عيت عيسى ـ لم يمت رغم انطفاء حلمي برؤيته ، فلو مات لأقام أقاربنا الذين في المدينة له مأتماً ، أرجّح أن الغزال لا يزال حيّاً .

بالمناسبة ! ، كم يعيش الغزال من السنوات ؟ .

الثلاثاء، مايو 04، 2010

بنيـنة




إهداء إلى صالح حمد


مبنيّة في فؤادي مِن قبْل ذات العماد

قبيلة من مبان ٍ جليلة ٍ عن جماد

مرفوعة بالأغاني بحمد ِ ربّ العباد


فطوبة كالرغيف وطوبة كالوساد

مقبوضة من تراب مضمّخ ٍ بالجهاد

طلاؤها بالأماسي وبالصباحات هادي

مسمّرة فصلَ حرث ٍ مصفرّة في الحصاد

بيوتها وهي بيت ٌ مضيافة الارتداد

لم تشتر َ من أجير ولم تبع بالمزاد

بين الدكاكين منها ما بين خاف وباد ِ

حوش عتيق (سماويْ) (عربيْ) ثمين وعادي

عتباته الخضر أصلاً إسمنتهن رمادي

أَمِنْ دموع سطوح مطحلَبات نواد؟

أمْ من ظلال كروم أوراقها كالأيادي؟

بل من خطىً نابضات من رائحين غوادي

على خطىً ناعمات من خاطبات سعاد

*

ودّعتك ِ أمس غيماً واليوم آت ٍ كواد

متحدّراً باختصار محمّلاً بي أنادي

عليَّ أزبد وداً وتعرفين ودادي

وأغنياتي دليلي وذكرياتي زادي

ياكوكبي الضخم جداً نهاره في ازدياد

والعشب فيه ودربي واشتهائي حاد ِ

أحبك يا جيكوري يا بكتي يا بلادي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بنينة ضاحية من ضواحي بنغازي
جيكور قرية الشاعر بدر شاكر السياب
بكة اسم من أسماء مكة المكرمة

الأربعاء، أبريل 28، 2010

رجب البابور


يتوالى صياح الديوك، وصخب الشاحنات على الطريق العام، وتخفق أجنحة الحمام؛ في كل صباح من صباحات قريتنا، لكن ليس قبل أن يكركر مصراع الباب الخشب الأخضر العتيق لدكان البابور، ويتبدد رذاذ الفجر الفضّى على السطوح وعلى الملابس على حبال الغسيل، وتفوح رائحة الأرغفة الطازجة من المخابز، لكن ليس قبل أن يتسرب من المطحن إلى الشارع فوح غبار القمح والشعير والبنّ، وتنبعث الأنغام من مسجلات المقاهي، وأصداء نواقيس المدارس، و رنين الهواتف وتكتكات آلات الطباعة من المرافق العامة، لكن ليس قبل أن تنطلق جعجعة جنزير وتروس الآلة العتيقة الجبّارة في المطحن.


سـي رجب، ذو الوجه والابتسامة والكلمة البيضاء؛ مثل محّ الرغيف والحليب والبيض والجبن؛ وأغنيات الصباح، وكراسات التلاميذ؛ يفتتح كل يوم؛ نهار قريتنا والعمل؛ ويستقبل أو يبثّ أولى تحيات الصباح البسيط المستبشرة الطيبة.


رجب البابور، هكذا عرفناه منذ أن كان عمر هذه الدنيا خمسة أو ستة، وبهذا الاسم المضاف إلى أول آلة جلبها هو إلى قريتنا؛ أيام كانت أكثر بدائية .في البداية – وكأطفال- كانت معرفتنا لاسمه هذا اكتشافا طريفا عجيبا، لكننا فيما بعد؛ علمنا أن إخوتنا الكبار يعرفونه، وآباؤنا أيضا؛ بل وحتى أمهاتنا وجدّاتنا، وكان ذلك مصدر دهشة لنا، ثم – ذات موسم لا نذكره – عرفنا بعد فواته أننا صرنا كبارا؛ أدركنا أن رجب البابور اسم علم معروف في القرى المجاورة، والدواخل البعيدة أيضا؛ التي كان أهلها ـ على مدى عشرات السنين؛ وقبيل انتشار السيارات؛ يحجّون على خيل وحمير أو راجلين؛ إلى مطحن في قريتنا ، حاملين مكاييل من القمح والشعير، لتصف ّطوابير مسنودة على جدار المحل؛ في انتظار موعد صبّ محتوياتها في فم آلة الطحن المقابلة؛ التي لا تكفّ طوال النهار عن الضجيج والتلوي؛ مثل هامّة؛ تلتهم البذور المتراقصة؛ لتحيلها طعاما للناس؛ من دشيشة أو زمّيتة أو روّينة؛ تعطّر رائحتها الزكية حيّنا المجاور للمطحن.


بين صف تلك الأكياس المرقمة والمعلّمة بالأسماء؛ وبين جسم تلك الآلة المتوازيين؛مابين البابين التوأمين – الأمامي والخلفي – للدكان المستطيل؛ كم كان يطيب لنا في قيلولات الصيف ـ حين يرسلنا أهلنا إلى السوق ـ أن نعبر ذلك الممر الظليل المنعش؛ بأمان ؛ دون خوف من الرجل الهيّن الليّن الهامس حتى وهو ينهرنا؛ وقلّما يفعل، وكثيرا ما كنا نجده مستلقيا مفترشا(شلته)مورّدة؛ غافيا عن طنجرة الدشيشة المتكتكة؛ وبرّاد الشاي المتشاهق غير بعيد من هدير نشرة لندن ممزوجة بأزيز الموجات؛ عبر صدر الراديو العجوز.


ممّا يتحدث به أصحاب الدكاكين أن سي رجب ـ الذي اعتاد منذ عشرات السنين أن يقفل باب المطحن الخلفي من الداخل أولا؛ ثم يقفل الباب الأمامي آخرا ـ كان ذلك اليوم ـ الذي لم يرجع بعده إلى مطحنه أبدا ـ قد خالف هذه العادة، فأغلق الباب الأمامي من الداخل أولا.
والمارّ هذه الأيام من وسط سوق القرية القديم سيلاحظ أن باب المطحن مغلقٌ بلا قفل ، كأنما بكلمة سر سحرية همس بها سي رجب لباب مطحنه، ومضى إلى عالم الأرواح، دون أن يعلم بها أحدا، حتى من أبنائه . رحم الله سي رجب رحمة تعداد ذرات غبار القمح والشعير.

الجمعة، أبريل 09، 2010

قِـبــلي






أهلاً


يا أيّام القبلي


ها أنا


خارج بيتي


وبلا أهلي


معك


منك


فيك


راع ٍ عشٌ دربٌ ...


بين الفصل ـ بين الحقل ِ وبين الحقل ِ ـ وبين الفصل

ها أنا أنت

*

وليس الآن

وبعد البعد ِ

وقبل َ القبل ِ

ولد ٌ ألقف

فستاناً ورديّا

منفلتا ً نحوي من حبل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة من :

alhsa.com

الخميس، أبريل 08، 2010

عودة حكيم




منذ البداية كان بين الحيّ الصغير الذي فيه بيت حكيم وبين بقية أحياءِ القرية الكبيرة، حيث بيوت أصدقائه طريقٌ عام، طريق له رائحة القطران والزيوت والمطاط، ، وكان دائماً على حكيم ـ لكي يكون مع الأصدقاء ـ بعد أن يطمئنّ على أن والده خارج البيت ويؤمّن على تحذيرات أمه، عبورُ تلك الأمتار السوداء المرقشة برماديّةِ ريش ِعصافير الدوري التي تسحقها كلّ صباح عجلاتُ السيارات .

لكنّ الذي لم يخطر لحكيم ولا للأصدقاءِ ببال ، هو أنّ طولَ الطريق وليس عرضها هو ما سيحول بينهم، ففي قيلولةِ يوم ثامنٍ، يوم ٍ كأنما في غير فصله كان أهل حكيم يُخرجون أشياءَهم من البيت باكينَ ضاحكين وهم يخْصِفون عليهم ُمِن ورق الذكريات، حتى كان ـ بعد زمن ٍطال ـ البيتُ وأهله وأثاثه على ظهر سيارة غادرت من مدخل القرية، إلى قرية بعيدة ، مسافة سبع وسبعين أغنية حزينة، قرية خَيّل إلينا أن لا عصافير فيها، حيث دراجاتنا لا تصل وحمام حكيم لا يعود.


ذات يوم وكنت أراود لحناً أشجاني واستدرجني حتى ، انتهت بي طريقي عند عتبة بيت حكيم ، في زركشة ظلِّ وضوءِ عريشة العنب، فوجدت عنده نصفَ اللحن ونصفَ الشجن:

ـ صح النوم تي را، صح النوم تي را.

ـ صح النوم يااحبيّب، موش هك اللحن راه.
ـ باهي ! كيف ؟ .

ـ صح النوم تي را، صح النوم تي رارا .

ـ شن اسمك ؟.

ـ حكيم ، وأنت ؟.

ـ موسى .

وبهذين الاسمين فقط بلا لقب ولا نسب صرنا صديقين، كان عصراً وكانت أجنحة الحمام بروقاً فوق أسطح البيت العالي على التبة رهنَ انهمار خيوط الشمس الصفراء في السحب، وكان هذا فقط المشهدُ الخارجيّ .

أما داخل البيت فهناك العمة سالمة والدة حكيم ، التي كانت في تلك اللحظات من كلّ يوم ، تنهضُ من إغفاءة ما بعد الظهر ـ كما ألِفتُ بعد أن توطدت بيني وبين حكيم الصداقة ـ وبالضبط عندما يمسّ قرصُ الشمس ـ المنفلتُ عبرَ أوراق العريشة فعبرَ الشّباك ـ المرآة َوسط السقيفة ، لتعِدَّ شايَ العصرية الذي تجمَعُ حواليه بلا نداء أهلَ البيت مثلَ علب السكرية، وتذوّبَ فيه من سُكّرِ ابتسامةٍ مدسوسةٍ في ملامح وجهها ، و تنعنعَه بوشم ٍفي جبينها الأصفر.

ذلك اليوم أطلّت من الباب ونادتْ:

ـ حكيم، يا حكيم، أنت وين يا ولد ؟، ما تريدشي تشرب شاهي ولاّ كي دوتك ؟ .

ثم عندما رأتني ضحكتْ ضحكة اعتذار وأضافت:

ـ و إلاّ عندك ضيف، شنو حالك يا باتي، و أنت يا بو طواله ما تقول شي عندي ضيف .

ودخلنا يتقدمني حكيم حتى باب المربوعة، وفي انتظاره، وبين نثار من الأوراق والأقلام والخطاطات، وقفت إلى الجدار أتأمل صورة جمعت رجلاً ببدلة إفرنجية و شنة ، والحاج مجحود والدَ حكيم الكهلَ النحيف ببدلة الشرطة التي ألفنا رؤيته بها يومياً في ذهابه وإيابه إلى المركز ، بهدوءٍ وسكينة، والذي كانت نصف إيماءة من رأسه ونصفُ إشارة بسبّابته ، حين تمسُّ خطواته حدَّ ملعبنا ، كفيلتين بحرمان حكيم من المباراة ، وبثِّ شيءٍ من الشجن في أرواحنا ونحن نراقبه حتى يقطع الطريق إلى الضفة الأخرى، باستثناءِ مساءِ الخميس حيث أن غداً دائما جمعة فلا مدرسة ثمة، فيسمحُ الوالدُ لابنه باللعب، فنحسّ بأنّ الملعب يبدو أكبر وأوسع وأعلى، لأن حكيم الولد العابثَ بالكرة الشغوفَ بملاحقتها حتى وهي خارج المستطيل الترابيّ ، على حافة الطريق أو عند عتبات البيوت ، استطاع أن يكون معنا.

جاءَ حكيم بالشاي وحط ّالسفرة بحركة نادل:

ـ تفضل يا موسَـزْ .

ـ زاد فضلك .... الشاهي فيه تيه صاح ؟. تساءلت ، فقال :

ـ لا تفاح .

ضحكت : ـ حلوه هذي !

رد حكيم :

ـ شن اللي حلوه ؟ الشاهي ؟ .

ـ لا التفاح اللي فالشاهي .

ـ والله صح .

ـ استغفر ربك يا راجل، وما تحلفش بالله بالبصارة .

ـ والله العظيم ما نبصر، التفاح فيه شاهي ، قصدي الشاهي فيه تفاح ، ويكون في علمك إنـّا ما عمرنا شربنا شاهي إلا بالتفاح .

ثم هبّ إلى عتبة الباب وراح يصيح منادياً عمتي سالمة وأنا ألحّ عليه أن لا داعي لذلك حتى وصلت فقال لها :

ـ النبي يمّي الشاهي اللي توا ما فيها تفاح ؟ .

وعندما أجابت بنعم ، وبأن لا أمر يدعو إلى كل ذلك الصياح، التفت إلىّ بعينين ضاحكتين بمكر وتهكم عرفته فيه فيما بعد وقال:

ـ قول لي حتى الحاجة تكذب هي يا سي .

فما كان من عمتي سالمة إلا أن تضيف ما لم يكن في حسباني :

ـ لا والله هذي خير عيد . ما زالت غير هالتالية، تشرب شاهينا واتكذب فينا .

ثم اشارت بسبابتها إلى العتبة وأضافت :

ـ نلقاني يا وليدي أني نقدتْ علي صاحبك من عند جيته بسبّاط أمه، وأنظر أنظر يا حكيم ! ما أكبر السباط !، هله هله هله يا لطيف يا لطيف، والكرعين اللي هذا سباطهن أيش شكلهن الدعوة ؟ ...

كل هذا وحكيم يقهقه ويتلوّى حينا ثم ينحني على كراس ليخط ما مرّ من كلمات : سباط . تفاح .. شاي .. تيه. يا لطيف ...

ولم أملك ما أقول إذ فوجئت بذلك السيل من الضيافة والمزاح معاً في اللقاء الأول.

في السنة الأولى لانتقال حكيم من قريتنا قمنا ببعض الزيارات له ، وكانت تتحول بمجرد الوصول إلى بيتهم إلى عملية عودة به معنا إلى القرية، وقد يسّرَها لنا سائقو الشاحنات الذين كانوا يُبدون تعاطفاً مع تلويحاتنا على جانب الطريق دون سواهم ، في آخر مرة من تلك المرات طفنا به على بيوت الأصدقاء، وحين مررنا على بيت حميد دعاه ليسلم على الحاج محمد، الذي قابل ترحيب حكيم بقوله:

ـ وأنت كيف جيت ؟ ومع من جيت ؟، وقايل الهلك ولا مانك قايل الهم ؟

فأجاب حميد بالنيابة :

ـ جا تشيير عالطريق . فقال الحاج :

ـ لا لا لا لا لا، هذي ما عادش اديرها .

ولم يفعلها حكيم بعدها أبدا، إلا عام 2000، العام الذي كان بعيداً كالنجوم ، عندما جمعتنا الطفولة التي صارت أبعدَ من النجوم والتي فرّقتنا، حيث عاد إلينا الولد حكيم كهلاً والداً مهندساً، مهتدياً ببوصلة في قلبه ، أو بخارطة في كفه، سالكاً الدرب الأوّل المهملَ إلى القرية، تتقدمه رائحة الزعتر الذي لا يزال رطباً ندياً ، أنا عرفته ، وذرى شجرٍ راوغته الطريق الجديدة ، ولم تعد تستظلُّ به البيوتُ الحديثة ، كان معه صورة كحليّة أسود وأبيض مدرسيّة ، ضمّتنا أنا وهو ورفاقَ الابتدائية ، كنا باسمين بأعيننا ابتسامة تثير حزناً أو حناناً غامضاً ، استطعنا أن نميّز الجميع داخل الكرت ، بمن فيهم البنات الأربع ، والمدرسين العرب ، لكننا لم نذكر كيف تهيّأنا للصورة، وكيف انفضضنا عن المصور.

المشاركات الشائعة