الأربعاء، أبريل 28، 2010

رجب البابور


يتوالى صياح الديوك، وصخب الشاحنات على الطريق العام، وتخفق أجنحة الحمام؛ في كل صباح من صباحات قريتنا، لكن ليس قبل أن يكركر مصراع الباب الخشب الأخضر العتيق لدكان البابور، ويتبدد رذاذ الفجر الفضّى على السطوح وعلى الملابس على حبال الغسيل، وتفوح رائحة الأرغفة الطازجة من المخابز، لكن ليس قبل أن يتسرب من المطحن إلى الشارع فوح غبار القمح والشعير والبنّ، وتنبعث الأنغام من مسجلات المقاهي، وأصداء نواقيس المدارس، و رنين الهواتف وتكتكات آلات الطباعة من المرافق العامة، لكن ليس قبل أن تنطلق جعجعة جنزير وتروس الآلة العتيقة الجبّارة في المطحن.


سـي رجب، ذو الوجه والابتسامة والكلمة البيضاء؛ مثل محّ الرغيف والحليب والبيض والجبن؛ وأغنيات الصباح، وكراسات التلاميذ؛ يفتتح كل يوم؛ نهار قريتنا والعمل؛ ويستقبل أو يبثّ أولى تحيات الصباح البسيط المستبشرة الطيبة.


رجب البابور، هكذا عرفناه منذ أن كان عمر هذه الدنيا خمسة أو ستة، وبهذا الاسم المضاف إلى أول آلة جلبها هو إلى قريتنا؛ أيام كانت أكثر بدائية .في البداية – وكأطفال- كانت معرفتنا لاسمه هذا اكتشافا طريفا عجيبا، لكننا فيما بعد؛ علمنا أن إخوتنا الكبار يعرفونه، وآباؤنا أيضا؛ بل وحتى أمهاتنا وجدّاتنا، وكان ذلك مصدر دهشة لنا، ثم – ذات موسم لا نذكره – عرفنا بعد فواته أننا صرنا كبارا؛ أدركنا أن رجب البابور اسم علم معروف في القرى المجاورة، والدواخل البعيدة أيضا؛ التي كان أهلها ـ على مدى عشرات السنين؛ وقبيل انتشار السيارات؛ يحجّون على خيل وحمير أو راجلين؛ إلى مطحن في قريتنا ، حاملين مكاييل من القمح والشعير، لتصف ّطوابير مسنودة على جدار المحل؛ في انتظار موعد صبّ محتوياتها في فم آلة الطحن المقابلة؛ التي لا تكفّ طوال النهار عن الضجيج والتلوي؛ مثل هامّة؛ تلتهم البذور المتراقصة؛ لتحيلها طعاما للناس؛ من دشيشة أو زمّيتة أو روّينة؛ تعطّر رائحتها الزكية حيّنا المجاور للمطحن.


بين صف تلك الأكياس المرقمة والمعلّمة بالأسماء؛ وبين جسم تلك الآلة المتوازيين؛مابين البابين التوأمين – الأمامي والخلفي – للدكان المستطيل؛ كم كان يطيب لنا في قيلولات الصيف ـ حين يرسلنا أهلنا إلى السوق ـ أن نعبر ذلك الممر الظليل المنعش؛ بأمان ؛ دون خوف من الرجل الهيّن الليّن الهامس حتى وهو ينهرنا؛ وقلّما يفعل، وكثيرا ما كنا نجده مستلقيا مفترشا(شلته)مورّدة؛ غافيا عن طنجرة الدشيشة المتكتكة؛ وبرّاد الشاي المتشاهق غير بعيد من هدير نشرة لندن ممزوجة بأزيز الموجات؛ عبر صدر الراديو العجوز.


ممّا يتحدث به أصحاب الدكاكين أن سي رجب ـ الذي اعتاد منذ عشرات السنين أن يقفل باب المطحن الخلفي من الداخل أولا؛ ثم يقفل الباب الأمامي آخرا ـ كان ذلك اليوم ـ الذي لم يرجع بعده إلى مطحنه أبدا ـ قد خالف هذه العادة، فأغلق الباب الأمامي من الداخل أولا.
والمارّ هذه الأيام من وسط سوق القرية القديم سيلاحظ أن باب المطحن مغلقٌ بلا قفل ، كأنما بكلمة سر سحرية همس بها سي رجب لباب مطحنه، ومضى إلى عالم الأرواح، دون أن يعلم بها أحدا، حتى من أبنائه . رحم الله سي رجب رحمة تعداد ذرات غبار القمح والشعير.

الجمعة، أبريل 09، 2010

قِـبــلي






أهلاً


يا أيّام القبلي


ها أنا


خارج بيتي


وبلا أهلي


معك


منك


فيك


راع ٍ عشٌ دربٌ ...


بين الفصل ـ بين الحقل ِ وبين الحقل ِ ـ وبين الفصل

ها أنا أنت

*

وليس الآن

وبعد البعد ِ

وقبل َ القبل ِ

ولد ٌ ألقف

فستاناً ورديّا

منفلتا ً نحوي من حبل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة من :

alhsa.com

الخميس، أبريل 08، 2010

عودة حكيم




منذ البداية كان بين الحيّ الصغير الذي فيه بيت حكيم وبين بقية أحياءِ القرية الكبيرة، حيث بيوت أصدقائه طريقٌ عام، طريق له رائحة القطران والزيوت والمطاط، ، وكان دائماً على حكيم ـ لكي يكون مع الأصدقاء ـ بعد أن يطمئنّ على أن والده خارج البيت ويؤمّن على تحذيرات أمه، عبورُ تلك الأمتار السوداء المرقشة برماديّةِ ريش ِعصافير الدوري التي تسحقها كلّ صباح عجلاتُ السيارات .

لكنّ الذي لم يخطر لحكيم ولا للأصدقاءِ ببال ، هو أنّ طولَ الطريق وليس عرضها هو ما سيحول بينهم، ففي قيلولةِ يوم ثامنٍ، يوم ٍ كأنما في غير فصله كان أهل حكيم يُخرجون أشياءَهم من البيت باكينَ ضاحكين وهم يخْصِفون عليهم ُمِن ورق الذكريات، حتى كان ـ بعد زمن ٍطال ـ البيتُ وأهله وأثاثه على ظهر سيارة غادرت من مدخل القرية، إلى قرية بعيدة ، مسافة سبع وسبعين أغنية حزينة، قرية خَيّل إلينا أن لا عصافير فيها، حيث دراجاتنا لا تصل وحمام حكيم لا يعود.


ذات يوم وكنت أراود لحناً أشجاني واستدرجني حتى ، انتهت بي طريقي عند عتبة بيت حكيم ، في زركشة ظلِّ وضوءِ عريشة العنب، فوجدت عنده نصفَ اللحن ونصفَ الشجن:

ـ صح النوم تي را، صح النوم تي را.

ـ صح النوم يااحبيّب، موش هك اللحن راه.
ـ باهي ! كيف ؟ .

ـ صح النوم تي را، صح النوم تي رارا .

ـ شن اسمك ؟.

ـ حكيم ، وأنت ؟.

ـ موسى .

وبهذين الاسمين فقط بلا لقب ولا نسب صرنا صديقين، كان عصراً وكانت أجنحة الحمام بروقاً فوق أسطح البيت العالي على التبة رهنَ انهمار خيوط الشمس الصفراء في السحب، وكان هذا فقط المشهدُ الخارجيّ .

أما داخل البيت فهناك العمة سالمة والدة حكيم ، التي كانت في تلك اللحظات من كلّ يوم ، تنهضُ من إغفاءة ما بعد الظهر ـ كما ألِفتُ بعد أن توطدت بيني وبين حكيم الصداقة ـ وبالضبط عندما يمسّ قرصُ الشمس ـ المنفلتُ عبرَ أوراق العريشة فعبرَ الشّباك ـ المرآة َوسط السقيفة ، لتعِدَّ شايَ العصرية الذي تجمَعُ حواليه بلا نداء أهلَ البيت مثلَ علب السكرية، وتذوّبَ فيه من سُكّرِ ابتسامةٍ مدسوسةٍ في ملامح وجهها ، و تنعنعَه بوشم ٍفي جبينها الأصفر.

ذلك اليوم أطلّت من الباب ونادتْ:

ـ حكيم، يا حكيم، أنت وين يا ولد ؟، ما تريدشي تشرب شاهي ولاّ كي دوتك ؟ .

ثم عندما رأتني ضحكتْ ضحكة اعتذار وأضافت:

ـ و إلاّ عندك ضيف، شنو حالك يا باتي، و أنت يا بو طواله ما تقول شي عندي ضيف .

ودخلنا يتقدمني حكيم حتى باب المربوعة، وفي انتظاره، وبين نثار من الأوراق والأقلام والخطاطات، وقفت إلى الجدار أتأمل صورة جمعت رجلاً ببدلة إفرنجية و شنة ، والحاج مجحود والدَ حكيم الكهلَ النحيف ببدلة الشرطة التي ألفنا رؤيته بها يومياً في ذهابه وإيابه إلى المركز ، بهدوءٍ وسكينة، والذي كانت نصف إيماءة من رأسه ونصفُ إشارة بسبّابته ، حين تمسُّ خطواته حدَّ ملعبنا ، كفيلتين بحرمان حكيم من المباراة ، وبثِّ شيءٍ من الشجن في أرواحنا ونحن نراقبه حتى يقطع الطريق إلى الضفة الأخرى، باستثناءِ مساءِ الخميس حيث أن غداً دائما جمعة فلا مدرسة ثمة، فيسمحُ الوالدُ لابنه باللعب، فنحسّ بأنّ الملعب يبدو أكبر وأوسع وأعلى، لأن حكيم الولد العابثَ بالكرة الشغوفَ بملاحقتها حتى وهي خارج المستطيل الترابيّ ، على حافة الطريق أو عند عتبات البيوت ، استطاع أن يكون معنا.

جاءَ حكيم بالشاي وحط ّالسفرة بحركة نادل:

ـ تفضل يا موسَـزْ .

ـ زاد فضلك .... الشاهي فيه تيه صاح ؟. تساءلت ، فقال :

ـ لا تفاح .

ضحكت : ـ حلوه هذي !

رد حكيم :

ـ شن اللي حلوه ؟ الشاهي ؟ .

ـ لا التفاح اللي فالشاهي .

ـ والله صح .

ـ استغفر ربك يا راجل، وما تحلفش بالله بالبصارة .

ـ والله العظيم ما نبصر، التفاح فيه شاهي ، قصدي الشاهي فيه تفاح ، ويكون في علمك إنـّا ما عمرنا شربنا شاهي إلا بالتفاح .

ثم هبّ إلى عتبة الباب وراح يصيح منادياً عمتي سالمة وأنا ألحّ عليه أن لا داعي لذلك حتى وصلت فقال لها :

ـ النبي يمّي الشاهي اللي توا ما فيها تفاح ؟ .

وعندما أجابت بنعم ، وبأن لا أمر يدعو إلى كل ذلك الصياح، التفت إلىّ بعينين ضاحكتين بمكر وتهكم عرفته فيه فيما بعد وقال:

ـ قول لي حتى الحاجة تكذب هي يا سي .

فما كان من عمتي سالمة إلا أن تضيف ما لم يكن في حسباني :

ـ لا والله هذي خير عيد . ما زالت غير هالتالية، تشرب شاهينا واتكذب فينا .

ثم اشارت بسبابتها إلى العتبة وأضافت :

ـ نلقاني يا وليدي أني نقدتْ علي صاحبك من عند جيته بسبّاط أمه، وأنظر أنظر يا حكيم ! ما أكبر السباط !، هله هله هله يا لطيف يا لطيف، والكرعين اللي هذا سباطهن أيش شكلهن الدعوة ؟ ...

كل هذا وحكيم يقهقه ويتلوّى حينا ثم ينحني على كراس ليخط ما مرّ من كلمات : سباط . تفاح .. شاي .. تيه. يا لطيف ...

ولم أملك ما أقول إذ فوجئت بذلك السيل من الضيافة والمزاح معاً في اللقاء الأول.

في السنة الأولى لانتقال حكيم من قريتنا قمنا ببعض الزيارات له ، وكانت تتحول بمجرد الوصول إلى بيتهم إلى عملية عودة به معنا إلى القرية، وقد يسّرَها لنا سائقو الشاحنات الذين كانوا يُبدون تعاطفاً مع تلويحاتنا على جانب الطريق دون سواهم ، في آخر مرة من تلك المرات طفنا به على بيوت الأصدقاء، وحين مررنا على بيت حميد دعاه ليسلم على الحاج محمد، الذي قابل ترحيب حكيم بقوله:

ـ وأنت كيف جيت ؟ ومع من جيت ؟، وقايل الهلك ولا مانك قايل الهم ؟

فأجاب حميد بالنيابة :

ـ جا تشيير عالطريق . فقال الحاج :

ـ لا لا لا لا لا، هذي ما عادش اديرها .

ولم يفعلها حكيم بعدها أبدا، إلا عام 2000، العام الذي كان بعيداً كالنجوم ، عندما جمعتنا الطفولة التي صارت أبعدَ من النجوم والتي فرّقتنا، حيث عاد إلينا الولد حكيم كهلاً والداً مهندساً، مهتدياً ببوصلة في قلبه ، أو بخارطة في كفه، سالكاً الدرب الأوّل المهملَ إلى القرية، تتقدمه رائحة الزعتر الذي لا يزال رطباً ندياً ، أنا عرفته ، وذرى شجرٍ راوغته الطريق الجديدة ، ولم تعد تستظلُّ به البيوتُ الحديثة ، كان معه صورة كحليّة أسود وأبيض مدرسيّة ، ضمّتنا أنا وهو ورفاقَ الابتدائية ، كنا باسمين بأعيننا ابتسامة تثير حزناً أو حناناً غامضاً ، استطعنا أن نميّز الجميع داخل الكرت ، بمن فيهم البنات الأربع ، والمدرسين العرب ، لكننا لم نذكر كيف تهيّأنا للصورة، وكيف انفضضنا عن المصور.

الاثنين، أبريل 05، 2010

أغنية



(زهر)


يا زهر!
يا المسكونَ بالجمال
والعابر الموقوتَ بالطفولة
يا لؤلؤ البرّ
وزبد المروج
يا جسدَ اللون
وبهلوانَ الطيب
يا بطاقة السرور والأسى
ويا هدية مؤبداً
يا زهرُ
يا ابنَ الماءِ والتراب
يا أخي
كيف تخلصت من الخضرة
كالعينين والقصيدة ؟


~~~~~~~~~~


(وَرْدَتان)

الوَردةُ التي قطفتها لك ِ
تفيق كُلّمـَا تمسُّهـَا يـَدَاكْ
و أنتِ لا تـَدْرينَ مـَا الذي يَنهضُ فـيّ كُلّمَـا ألقاكْ
و النّظرة ُ التي أُرسِلهَا تجرحُهَا أهْدابُكِ
و تَرْتوي مِنْ دَمِهَا الدافِئ وجْنتَاكْ
و أنتِ عَيْناكِ
وعَيْنايَ هُمـَا
أرْجـوكِ
ألاً تُغْمِضيهِمَا فَلا أرَاك ْ .


~~~~~~~~~~

(بـاقة)


ما الذي أحمله للورد
نام
يا حرام !
لعن الله الزكام
وأحييه بـِمَ ؟
ومن الزيتون عيناه
وكفاه
حمام
ومحياه
سلام

تشينما


لا مرة ولا مرتان ولا ثلاث، تنتهي فيها حركة عمال في ركن من أركان القرية إلى ارتفاع بناء آخر، غير ما كنا قد انتظرنا انتظاراً خفياً مشحوناً بأمانينا الحارة، بأنه سينما.


نهمل بيان لافتة إنشاء المشروع، يألف سمعُنا قرقعةَ "الكومبريسات "، تأخذ خطواتنا في التنحي لا إرادياً بعيداً عن حفر القواعد وارتدادات الألواح، تسلوا أعيننا مشاهدَ حميمة من قريتنا حجبتها حيطانُ "لبلوك" الأبيض، تستطيل أو تتربع أو تستدير الأبنية لكن لا لتكون سينما، بل سلخانة تفوح منها رائحة الجلود و الفرث، لا سينما بل إسطبل تصهل وتشخر فيه خيول الشرطة، لا سينما بل غرفة كهرباء يرصّع جبينها لوحة الخطر المميت، لا سينما، بل... بل يكفي.


ربما لتلك السلسلة من خبرة خيبات أمانينا الصغيرة، (الصغيرة ؟)، كنا كثيراً ما نلوذ ـ دون أن نعي ـ بجدار الحوش "لَـلْمَاني"، البيت الذي يسكنه عيت المدير، عيت المدير أهل كثلوم، كثلوم التي من أجل خاطر الأطفال عن طريق خاطرها كان (حميد فيوري) دائماً هو من يجلب "لاندروفر" السينما من لِـبْلاد، بمكافأةٍ هي عصرية مثرودة، لتسلط شعاعها الفضي المحمل بمسحوق نجوم السينما ممزوجاً بغبش الغروب وأنفاس المدخنين وآهاتهم والغبار، على جبين الجدار العالي الفسيح للمبنى الذي يكنّ كثلوم التي تمثل لبـَّه.


من مدخل الريف، الذي هو مخرجه، المسفلتِ المتعرج على التبّة والمكشوفِ لكلّ شبابيك وأبواب البيوت العَرْبيّة تلوح "اللاندروفر" الزرقاء، ذاتُ "اللاندروفر" الزرقاء : "لاندروفر التشينما"،ثم تتقدم على مرأى وترقبِ عددٍ غيرِ قليلٍ من الفتية والصِبْيَة هم أشد المعجبين المأخوذين بحميد فيوري وبها وبالشاشة الفضية، ثم تنجرف انجرافاً إلى الدرب الواطئ الترابي الذي هو الطريق الرئيسي إلى عمق القرية، ثم تسلك كما اعتادتْ واعتدنا أحدَ فروعها المنتهية عند عتبة بيت حميد فيوري، محاطةً ومتبوعة بخلية من الأطفال الصائحين(بص! شوف! فيوري يعمل أيه!) هم نفس الأطفال الذين كانوا طوالَ أقربِ الأسابيع يُنشدون له بين الجد والهزل أو بالجد الشبيه بالهزل كلما مرّ بهم في الطريق مطالبينَه ومذكرينه بالتشينما :(يا فيوري تشينمَا ! ربي ما يورّيك عمى !).


وفيما يكون الطقم السينمائي حول قصعةِ عصريّةِ المثرودة في مربوعة فيوري، يكون نبأ وصولهم قد تأكد لدى كل سكان القرية، وليتقاطروا فرادى وجماعات كما لرصد ظاهرة فلكية إلى الساحة قبالة الحوش لَلْماني، فتراهم بين شيوخ بدو ٍ جلوس متربعين أو مقرفصين على التراب، يستعين بعضُهم على أحاديثه بتقليب الحصى بين كفيه أو بتخطيط التراب بعود، وبين متعلمين وقوفٍ في حلقاتِ دردشة تبدو كأنها متكلفة، وبين شباب يتسكعون جيئة وذهاباً، وبين أطفال يمرقون كالجِداء يتصايحون ما بين المجموعات، في مشهد استثنائي في زمن القرية وجغرافيتها، لا يَخفى على مراقبه طابع القلق والتوتر الشبيه بقلق متتبعي ركلات الجزاء الترجيحية، البادي في اضطراب عصافير عيونهم واستشرافها إلى حيث اللاندروفر، غير مطيقين أدنى انحراف لها نحو الطريق العام، لتعود من حيث أتت بسبب عطل في الآلة، أو لخرقٍ في إطار، لتؤجل الزيارة إلى أجل غير مسمى، أو ليتأخر موعد العرض بسبب أن أحدهم يرغب في شراء علبة دخان من الدكاكين في آخر القرية، وهو الأمر الذي حدث غير مرة فأثار الحنق على فيوري فأنقص من شعبيته عند معجبيه.


على أنْ لا بلوغ اللاندروفر الساحةَ ولا إقرارُها في النقطة المناسبة للعرض يغنيان من القلق شيئاً، طالما حميد فيوري لا يزال غيرَ مدّخر جهداً ـ وهو واقف على ظهر اللاندروفر ـ في التأكيد على أنْ لن يُسمح ببدء العرض إلا بعد صلاة المغرب بوقت كاف، مدعوماً بلباقة طقم السينما الذين يروحون نازلين صاعدين من باب إلى باب، أو دائرين حول الآلة متحسّسين أقراصَها وشريطها، وبين هذا وذاك يعلنون مرة إثر أخرى لكل متعجل بأن العرض هاهو يبدأ الآن.


ومع ذلك فإن بعض الجمهور المحتشد للفرجة، ينتظرون ملتذين بعلمهم أن ما سيأذن فعلاً بانطلاق العرض حدث مختلف...؟ هو أن ينفتح الباب الخشبي الضخم العالي للحوش للماني، تخرج كثلوم في طقس من التنكريّة في "جَرْد"، تتجه إلى بيت الجيران المقابل، ليتسنى لها من هناك مشاركةُ حميد فيوري متعة متابعة تفاصيل الفيلم، ينغلق بابُ الجيران وراء الجمع المتلفّتِ طرَفٌ منه، ينفتح شباك حجرةٍ تنطفئ أنوارُها، يرتعش مستطيل السينما الفضي على الجدار المرقش، تنطلق الصيحات والصفير.

الأربعاء، مارس 31، 2010

يومُ يوم ِ القيامة




في ربعِ السّاعةِ الأخير من الحصّةِ الأخيرة، وكلُّ فصولِ المدرسةِ قد خلت ، قال لنا الأستاذ خميس:


ـ أو توّا سكّروا كتاباتكم وانتبهوا لي كويّسْ، لاينّه فيه ميضوع خطير نبّي نحكي لكم عليه، واللي يقدر منكم يخش ويشارك في ها لميضوع يفكّه الله من عذاب النّار ويكتب له الجنّة.


وحتى تلك اللحظة فكّرتُ أنّ أستاذنا خميس يريد منّا مرة أخرى، أنْ نحش الحشائش للحمير المحبوسة في (الحاصل)، العمل الذي لقي على إثره استحسان وثناء القرويين، لكنّه في تلك المرّة عرض علينا موضوعاً مختلفاً، لازلتُ أذكره به ، كلّما استعدتُ وأصدقائي ذكرياتِ الدراسة الابتدائيّة.

قال الأستاذ خميس:

ـ فيه راجل مشى ليَّام اللي فاتن للحج ، وهو يطوف بالبيت كلّمه غفير الكعبة المشرّفة وقال له يا ابني نبّي نوصّيك ونعلق في رقبتك أمانة عظيمة، اسمعني يا ابني، البارح ريت في منام الله العزيز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لّي بلّغ لسلام أنّ يوم القيامة قريّب؛ ما بينّا وبينه شي؛ ويا ويل اللي ما يتوب ألربّه، يا ابني اكتب ها الكلام اللي قلت لك عليه سبع مرّات؛ و وزّعه على سبعة من أقاربك، وقول لكل واحد منهم يدير كيفك، و راه اللي ما يكتب ها النصيحة يموت في سبع أياّم هو وسبعة من أحبابه، أمّا اللي يكتبها سبع مرّات يحصلن له سبع كرامات في سبع أيام .

فسألتُ الأستاذ خميس، وفي بالي أختي مريم الأميّة :

ـ واللي ما يعرف يقرأ لا يكتب يا استاد؟ .

فأجابني وهو يبتسم بثقة :

ـ هذي موش مشكلة بلكل، اتغص فالزبدة حتى أنت، اللي ما يعرف يكتب يكتب له واحد من أقاربه .

ثم قام أبو بكرـ الملتحق أيامَها بدورة تعليم طباعة ـ وسأله :

- ضروري تنكتب كتيبة وإلا حتى طباعة يا استاد؟ .

فصاح الأستاذ خميس:ـ "آ ... ه طباعة لا، الكتيبة لازم باليد، والأفضل بحبر الصوف اللي يكتبوا بيه في القوران علّلوح، لكن اللي ما يلقش الله غالب عليه ؛ والدِّين يسر موش عسر، يكتب حتى بقلم رصاص باهي .

ثم أضاف وهو يرفع يده تأجيلاً لبعض أسئلة التلاميذ :

ـ أُسّسسّ، أسّ ؛ انتبه أنت وياه ؛ على ذكر الطباعة، نقول لكم أنّ الطباعة بدعة، وهي بروحها علامة من علامات يوم القيامة اللي نسيت نقول لكم عليهن .

وحينها تساءل الفصل جميعاً تقريباً:

ـ شنو هنَّ علامات يوم القيامة يا أستاد؟.

فردّ وهو يهزّ رأسه :

ـ لو صبر المقتول على القاتل لقتل؛ كنت جايكم بالكلام

ثم استطرد:ـ "علامات يوم القيامة واجدات ؛ وباينات كيف عين السمس ؛ غير اسم الله عالغافل، أوّلهن يا أبنائي على سبيل المثال العملة ورق والعيشة شرق، وثاني حاجة أن البوادي تمّو يزّابو في بني العمارات ويديرو للعبي في جيوب(وسُمع من قال حلوة هذ) وبعدين عندكم تيّار الخنافس، واللي طبعاً معظمكم وللأسف الشديد ماشيين فيه، وعندكم تشبّه الرجّالة بالصبايا وتشبّه الصبايا بالرجّالة، وعندكم التصوير، ونحت التماثيل، وموش بعيدة حتى التلفزيون ...

فصاح أحدهم: ـ والراديو ؟ .

فقال الأستاذ خميس: ـ لا ، الراديو عادي .

ثم خيّم صمتٌ تفكـّر فيه المعلّم علامات أخرى ليوم القيامة، فاقترح فتحي الفيلسوف:

ـ غلاء المهور؟.

فنهره الأستاذ خميس باشمئزاز:

ـ أيش دخّل غلاء المهور يا دبيبة.

فضجّ الفصل بقهقهات صاخبة، وعمّتْ فوضى ما كاد المدرّس اللّين يسيطر عليها، وحمدتُ الله في سرّي لأني كدتُ أقول الشيءَ نفسه، وبعد أنْ هدأ الفصل، لا هيبة من المدرّس بل انتظاراً للحظةِ التسريح، عاد الأستاذ خميس يقول:

ـ خلاص خلاص، كلمتين وتروّحوا، المهم اللي نبّيه منكم هو التوبة، وتحطّوا في بالكم أنّ يوم القيامة يمكن يطبّ عليكم في أيتها لحظة، وانتو تلعبو في البطش والاّ في الكورة والاّ تصّنتوا في المرسكاوي تحت أركان السّيسان عقابات اللّيول يا معيوف أفندي، وغافل عن يوم تشّقق فيه السما نصّين وتهزّهز لرض كيف زلزال المرج إيجي ميّه وخمسين مرّة كان ما أكثر من هكّ ، وتقربْ فيه السمس نين ما يبقى بينها وبين راس لبنادم مغير اشبر.

ثم دعا نوري الغرنوق أطولَ تلميذ في الفصل، وجعل منه وسيلة شرح قائلاً:

ـ إنْ كلاّ المومن ما يشعر بيها بلكل، والعرق يبقى أندال أندال، واحد غارق لا عند شوشته في العرق، أو وّاحد لا عند رقبته، أو وّاحد لا عند ركبيه، أو وّاحد لا عند عظيْمة الرّخا، كل واحد وعمله وبها الشّكل هذ ....

ولم أجدني كمعظم التلاميذ آخذاً الأمر بروح الهزل والتهريج، بل بدأت أشعر بالضيق شيئاً فشيئاً، خاصّة عندما همس لي جاري في المقعد حمد حمد:

ـ أبعدكْ عندنا فرح أختي في العطلة الصيفية، عليك حظ امّلّحْ .

ثم بعد أن أشار الأستاذ خميس جهة النوافذ فوقف كل التلاميذ قال:

ـ ويمتسحن ها ذكّين لجبال مسح علي وجه الوطا. فانتابني هلع انبثق من أعماق أعماقي، ولاحتْ لي وجوه أبناء خالاتي في القرية وراء تلك الهضاب، وأحسستُ بشفقة عليهم وعلى وجوه مجهولة لاحت في مخيّلتي، وتلتها حالة خوف وحاجة للذهاب إلى بيتنا، وعندما تململتُ لكي أعيد الألفة إلى المقعد عدت لأسمع الأستاذ يقول:

ـ وتجّمّعْ الناس كلّها عرايا كيما خلقهم ربي، ولا أمّك تعرفك ولا باتك، شيّ .

فاقشعرّ جلدي وطغى عليّ خوف كبير ؛ وضبّبتْ عيناي وبَردَ كلّ جسمي وهو يتعرّق، وانقطعتْ بي الهواجس عن الفصل، وصار صوت المدرس ذا صدى عالٍ رنّان غير واضح الكلمات، وقهقهة التلاميذ مثل هدير الشاحنات قربَ الطريق العام، وبعد وقتٍ ما عادت قامة الأستاذ خميس والسبّورة كأنها في سراب، وسألني:

ـ كنّكْ يا ولد؟ مريضو؟ .
فقلت:
ـ آء انحس في راسي و بطني . فقال لي:

- صبّي صبّي، لمْ كتاباتك وروّحْ الحوشكم.
فسحبتُ حقيبتي متمارضاً، وسمعتُ معيوف يصيح:

ـ أنوصّله يا أستاد؟.

ومضيتُ خفيفَ الوزن فارغ الرأس، وكانت الشمس حارّة، والأزقة خانقة، والناس في بيوتهم، وبدا لي النهار غريباً كأنما أنظر عبر زجاج ملوّن، وأنا أتساءل في نفسي لماذا اختار الله هذا التوقيت بالذات، ورغم ثقتي الطفوليّة برضا الله عليّ باعتباري نفسي ابناً لعائلة متديّنة، إلاّ أنّ ذلك لم يحُلْ دون شعوري بالحسرة الكبيرة على الحياة التي ستنتهي قريباً.

في فناءِ البيت وجدتُ أختي الصّغرى تبني بيوتاً بالطين، فسألتها:ـ

ـ قالوا لكم يا فتحية في المدرسة عليْ يوم القيامة؟". فأجابت بالنفي ممّا عمّق وحدتي، ثم استفهمَتْ، فقلتُ لها وأنا أحاول مشاركتها اللعب بلا اشتهاء:

ـ أوّلْ بادي العرب كلهم يموّتوا، هللي هنا وهللي في لبلاد، أو في الحج أو مصر كلهم كلهم، حتى القطاطيس والكلاب والطيور، وكل حاجة ....

فقاطعتني:ـ وحتى حنّي مبروكة؟.

فأجبتها بحنق:ـ أمّا لا شنو ؟ قلت لك كلهم كلهم .

فقوّستْ زاويتيْ فمها، وأخذتها نوبة بكاء ٍ لم أعرف كيف اتصرّف حيالها، إلاّ أنْ أعدو إلى البيت.

الأحد، مارس 28، 2010

عوضين الحسّـان


عوضين كهل من أم الدنيا امتهن الحلاقة في قريتنا منتصف السبعينيات، كأول حلاق بعد الحلاق التقليدي الشرطي بشير الذي يشحذ موس الحلاقة على قطعة جلدية ويحلق بمقص كبير بحجم "الجلم" والمشط للتخفيف وبالّلاميته للحلاقة صفر، بالإضافة إلى ممارسته الحجامة والختان، بل حلاق يقترب من العصرية حيث توافر محلّه على كرسي الحلاقة الدوّار والمرآة والماكينة الكهربائية والاستشوار والمسجل وسواها.


كان لعوضين وجه وجاكيتة مدرس تاريخ ، وحكايتان يصنع لهما أجنحة وهو يقص شعر الجالسين على الكرسي الدوّار، حكاية للشباب، وحكاية للشيوخ، أو من يحملون أرواح الشيوخ من شباب قريتنا، الحكاية الأولى للشعر الطويل الخنافس، تبدأ عند تشغيله لشريط "ما أقدرش أنساك" لعبد الوهاب تقول الحكاية : ( مرة عبد الوهاب كان عاوز يحرج فريد الأترش، قام دخل عليه وسط الشله بتاعتو في غرفتو في فندق الشيراتون، إللي كان مقر فريد الدائم لما ينزل مصر، ومحل ما كنت اشتغل حلاق قبل ما سافر الخليج إللى بعديها جيت هنا هوّنْ، لليبيا، المهم دخل الأوستاز موسيكار الأجيال عبد الوهاب وقال بالعود موش بشفايفو: السلام ُ عليكو يا جماعه، واخد بال حضرة جناب سيادتك يا فندم ؟، قالها بالعود. يعني بالمزيكا. موش بشفايفو، قال إيه ؟ عايز يحرج فريد، هو صحيح لكلٍ مقام، بس ما تنساش ياعب وهاب يا أوستاز يا فرعوني ياعبقري يا عظيم إن فريد تلميذ العملاق الكبير الأسطورة رياد السومباطي ، وعشان كده قام فريد ولا على بالو و خد عوده، ما هو راخر موسيقار برضك، ومافيش حد أحسن متاني، وقالّو. بالعود برضك موش بشفايفو . وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إه إه إه إه إه إه، يا خرااااشي على أهل الفن، وعمايل أهل الفن ... ) ، وحكاية عوضين هذه لا تحط هكذا و هنا تماماً، بل قبل دخول التحليقة مرحلة بعيدة عن الصفر.


أما الحكاية الثانية وهي للشيوخ كما قلنا، فتبدأ مع ابتلاع المسجل لشريط قصار السور لعبد الباسط عبد الصمد ( .. ده عبد الباسط كان من حارتنا، وكان صاحب أبويا الرّوح بالرّوح، وكانوا قبلنْ زملا في الأزهر الشريف، دا حتى إف وفاة أبويا ـ الله يرحمك يا با ـ قام قعد يحيي اف ليالي المأتم بدون فلوس، أصل أبويا الله يرحمو ويحسن إليه كان ولا مواخزة مدمن عبدالباسط عبد الصمد، ينام ويصحى على سورة سيدنا يوسف على نبينا محمد وعليه السلام، وانت عارف ياحج إن عبد الباسط كان عريف فلجيش . وكان دايما بيدّن ويقرا الكورآن في مسجد المعسكر، ومرة كان الشهيد اللوا أركان حرب الجيش العربي الله يرحمو فايت عالمعسكرات، أياميها كانت حرب السبعة وستين المنيلة بستين نيلة يادوب قايمه، قام اللوا أركان حرب الجيش سمع صوت عبد الباسط ، فقام قالّوهم هاتو الراجل صاحب الصوت الحلو ده، قامو الزّوبّاط جابوهولو، فقام واقف وادّالوا سلام تعظيم، وشكرو، وإدّاه وسام، لأْ . وأيييه؟ . عشر ألاف جنيه استرليمي كمان، وموش كده بس، و سرّحو على طول مالخدمة ، و بنفس مرتبو.. ده حتى رائد الفضا أرم سترونج أعوزو بالله من دينو لما طلع القمر، وأول ما حط ّرجلو هناك، سمع أدان، قام قال لجماعتو دنا سامع الصوت ده في الكاهرة ، وسمّاهم اسمه، قال لُهم ده عبد الباسط، و إلا حاجه زي كده .. ).


ولم أكن لا أنا ولا صديقي ناجي وقليل آخرون، ونحن فتية تلاميذ المرحلة الإعدادية المشتركة من زبائن عوضين، بل كنا إقتداء بإخوتنا الأكبر سناً نحلق شعرنا عند حلاقين بعينهم في المدينة، مهما كلفنا ذلك من جهد ونقود، و كنا إذا أردنا أن نسخر من تحليقة أحدهم أو أن نقلل من قدرها ننسبها إلى عوضين .


وأذكر أن الأستاذ بوراوي مدير مدرستنا الإعدادية قام بجولة على الفصول فصلاً فصلاً و وجّه أوامره للطلبة طالباً طالبا، ولبعضهم مباشرة بالاسم بأن يحلقوا رؤوسهم على رقم واحد، وكان ذلك الأمر قد صدر إثر كلمة من كلمات الصباح الطلابية اُنتقد فيها بصراحة بعضُ المدرسين الذين ينصحون التلاميذ بقص شعرهم وأظفارهم في الوقت الذي لا يلتزمون هم بذلك، وأذكر أن الطالب ختم كلمته ببيت الشعر القائل "لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم"، وكم كان ذلك الأمر الذي شملني وناجي مزعجاً مقلقاً لنا في تلك المرحلة من العمر والعصر.
التقيت بناجي في الاستراحة غير المريحة ذلك اليوم، وكنت قد سلمت بالأمر الواقع كتلميذ تكونت حوله صورة نهائية هي الطاعة، لكن ناجي استطاع إقناعي بالذهاب عصرَ ذلك اليوم إلى المدينة، لعمل حلاقة مرتبة ووفق الموضة، وعدنا بعد أن حلّ الظلام وتطلعنا كثيراً في المرايا، وقد أرضتنا كثافة الشعر رغم ما نقص من كمّه، كما أبدت أخواتنا إعجابَهن لا سيما بتحليقة ناجي، وكان أمامنا يوم الجمعة كله لمزيد من استطلاع أراء الزملاء، الذين وإن كنّا لا ندري بما قرر بعضهم إلا أن أغلبهم قد حلق عند عوضين، أي حلاقة على رقم واحد، أو بمعنى آخر حلاقة لن يرضى بما هو فوقها الأستاذ بوراوي، وكان لناجي اقتراحات وخطط احتياطية لاحقة، بأن نغسل شعرنا بصابون لوكس، ونعصب رؤوسنا بمناشف، أو نلبس عليها طاقيات صوف لكي يصبح الشعر ملتصقا، فيبدو غير كثيف، ختمها بقوله( وبعدين يا حيّ!، ومن قال أن الأستاد بوراوي يبي يعيش لا عند يوم السبت).


ولا كان الأستاذ بوراوي من الغائبين يوم السبت، بل كان واقفاً نفس الوقفة وفي نفس النقطة التي ألفنا وقوفه عندها شابكاً يديه وراء ظهره، وهو يراقب طابور الصباح، ويتابع أداء نشيد الله أكبر، و تلاوة القرآن الكريم، ثم كلمات الصباح، لكنه ذلك اليوم لم ينصرف مع بدء تسرب الصفوف، التي تم توجيهها لتمرّ بمحاذاته، وليأخذ في تسديد قبضته إلى عضد كلّ من يرى أن حلاقته فوق رقم واحد، فيخرج من الرتل إلى يد الفراش بومليحة الذي يأخذ بذراعه إلى حجرة الرسم، حيث كرسيّ واحد في وسطها يدفعه عوضين الحلاق ليجلس عليه أحد الطلبة، أو يجرّه وينفض عنه الشعر بعد أن يتحول عنه آخر، قائلاً لهذا الطالب ولذاك :

(نعيماً يا باش مهندس!.

نعيماً يا أوستاز!.

نعيماً يا دوكتُر!.

نعيماً يا كابتن!.

نعيماً يا أفوكاتو! ..)

دون أن يجد وقتاً ليسرد أيّاً من الحكايتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة من موقع R9naldo.com

المشاركات الشائعة