الاثنين، يناير 24، 2011

نهاية




هـذا الصباح ، في المستشفَى في المدينة ، لفظ مؤذن مسجد القرية العتيق منذ خمسين سنة ، آخر أنفاسه عندما كان ضوء شمس الحادية عشرة لا ينسكب – بفضل السحب - عبر نافذة حجرته على سريره في بيته في القرية ، لو عاش لنصف ساعة أخرى ؛ حتى دخل عليه مرافقه النهارىّ من أبنائه ، لعلم منه أن الوادي قد قطع الطريق بين القرية والمدينة .

زحف كلُ أهل القرية إلى الحيّ القديم ، فكنت تراهم رجالاً ونساءً وأطفالاً ؛ يصّعدون مثل قطعان الماعز مجلِّلين الهضبة ؛ التي بللتها زخـّة شؤبوب عبرت الليلة البارحة .


لم يكن نبأ فاجعاً ، لكنه كان يبعث على درجة من التأثر ؛ كما لو أن الريفيين قاموا في الصباح الباكر فوجدوا صنوبرة ساحة الحيّ الهرمة نائمة على الطريق .

حتى قبيل الخمسين عاما كان هذا الميت ـ الذي كان مؤذناً شيخاً ـ فتىً عربيداً جوّالاً على كارّو يتنطق بشملة حمراء ؛ يغرس بينها وبين خصره من اليسار قنينة خمر ؛ وفي الجانب الأيمن خنجراً يشهره على بعض أصحاب الدكاكين والقصّابين ؛ آمراً هذا بأن يناوله كم علبة حلوى طحينية ، وذاك بأن يضع له هاتيك السقيطة ، وإلاّ أغمد خنجره في عين هذا أوفي كرش ذاك ، ثم يتوجه من هناك إلى القرية ، ويظل يرشف من قنينة الخمر تلك ، لكنه من منتصف المسافة ، بعد أن تعبث الخمر بحواسه الخمس يبدأ في صبّ لعناته على الحمار ؛ متهما إياه بأنه حمار حقا وخمران ، ويلهب مؤخرته بسوطه السودانيّ ليعود به من جديد إلى نقطة إنطلاقهما .

بعد رحيل كثير من الإيطاليين عن البلاد إثر هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية ، استردّ الفتى دكان جدّه في القرية أسفل القلعة ، الذي كان قد جعل منه تاجر إيطاليّ يدعى كاتالينو و زوجته اليهودية خمارة .

حدّثنا ذات عشية ، تحت ظلال المسجد ، حديثاً عصبياً متقطعاً أنه إذا كان لا يعرف ما الذي ظل يدفعه طوال مراهقته إلى التشرد والانحراف ، فإنه أيضاً لا يعرف ما الذي حلّ به ، وهو يمسح بنظراته ذلك الدكان المستعاد لأوّل مرة بعد سنوات ؛ لا يعرف كيف خطر له أن يحوّل تلك الخمارة المستردة إلى بيت لله ، وهو الذي لم يضع جبينه على الأرض منذ طفولته ؛ حين كان يحاكي والده أثناء صلاته .

مسجدٍ لأهل القرية البدو الذين تقاطروا إلى مباني القلعة التي هُجرت ، ليتخذوا منها كلها دون تفريق بين عنبر أو إسطبل أو كنيسة مآوي لهم ، والذين لم تجعل لهم تلك السنون السوداء من نصيب في الفقه في أمور الدين .


ـ نا أوّل واحد يذ ّن في هالقرية.

كان دائما يقول بفخر ثم يضيف بضحكة هازئة :


ـ والله يا جماعه ، وحق ربّ هالبيت ، في هالمنطقه ماكانوا عارفين فيش اندير وينما صبيت فوق سطاح الجامع وتميت نذن ، أوينما افطنت وبهتت لاوين عرب النقطه كلهم كبار وصغار وحتى الصبايا رافعين اعيونهم معاي ، ونلقاني ما عاد مسكت في روحي ، واخلطت آذان علي بكا ، وما نزلت مالسطاح زين ، نين جاني عمر هض ، هاللي توّ بعياله ، وقاللي يسلم عليك باتي ، وقالّكْ الله يرفع مقامك اللي رفعت صوت الحق في هالقريه ، وقالك راني هالموقف هض ريته في المنام ، وقالك لا اتحركش مالحوش راني جايك بعد العصر ).

ومنذ ذلك اليوم صار للمسجد مع المؤذن إمام ، ومع الأيام تطوع آخر بهدم جدار دكانه المجاور ليحوّله إلى توسعة للمسجد ، ثم شيئاً فشيئاً صار للمسجد روّاد ولجنة إشراف واسم رسميّ نقش على رخامة رصّعت جانب واجهته ، وإن ظل الناس يسمونه جامع محمد علي كريّم ، بعضهم معترفاً بفضل الرجل القائم ليلاً نهاراً على خدمة المسجد ، وبعضهم قادحاً في أسلوبه الحاد في معاملة المصلين وكأن المسجد بيته : فإلى أن عرفتْ القرية الحنفيات ظلّ هذا الإنسان بصبر وجلَد جمل ، ينقل كل وقت ، من الفجر إلى الفجر ، برميلىْ ماء (جرمانيين) يتدليان إلى جانبيه من عصا على كتفيه ، مثل كفتي ميزان ، وإلى أن وصلت الكهرباء إليها ظل يكبر ويشيخ خفية ، وهو يصعد ويهبط سلّماً حجرياً ؛صنعه بيديه ؛ إلى سطح المسجد لرفع الآذان ، ولكن لا أحد لم يره ؛ ولو مرة واحدة ؛ يطارد الأطفال المكركرين في المسجد قاذفاً وراءهم أحذية المصلين ، لاعناً آباءهم وأمهاتهم الذين لم يربّوهم ، أو قاطعاً تسبيحه أو تلاوته و مندفعاً إلى ( المواضي) ليعنف أحدهم على الإسراف في المياه ، أو عدم إحكام الحنفيات ، أو جاذباً آخر من عمامته إذا اقترب من ناقل الصوت لرفع الآذان .


بعد العصر بوقت غير قصير ، وكان قد رفع الآذانَ صوت آخرُ ، سألتني جدتي القاعدة في البيت :كيف لم يؤذن للعصر حتى الآن .

أما الليلة في السهرية ، فإني متأكد أنه سيروى ، في أكثر من حلقة دردشة ، أن الحاج محمد علي كريّم رحمه الله ، في أول يوم لناقل الصوت في المسجد ، نصحه ناظر المدرسة بأنه لم يعد هناك من داع لأن يتعب نفسه بالصعود إلى سطح المسجد ، فما عليه سوى نقر رأس الميكروفون و التصنت لوشوشته ، ثم يرفع الآذان ، وعندما فعل الشيخ ذلك وتصنت لم يسمع شيئاً فقال بتذمر : (خـرررررفي ياحليمه) ، لتسمعه القرية عبر مكبرات الصوت .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة من tajouri_sedi_abdassalam_zleetin

السبت، يناير 22، 2011

زوكربيرغ@ تونس...



مرح البقاعي*





" بن علي هرب .. تونس حرّة.. تونس حرّة ..الحرية للتوانسة...."


هكذا، في ليل 14 يناير 2010 من شارع بورقيبة الخالي في حينها إلا من ملاّلات الجيش الوطني تحرس الفراغ الذي خلّفه سقوط رأس السلطة المدوّي ، ارتفع صوت مواطن تونسي بالهتاف لحرية مواطنيه في تونس بعد أن انفكّت من قبضة الرئيس زين العابدين بن علي ، إثر هروبه تلك الليلة خارج تونس ، هائما على وجهه ، ودونما وجهة محددة تحطّ طائرته فيها.


كم من البلاغة تلزم لاختزال مشاهد انتفاضة الشباب التونسي تلك في قوام اللغة ، وكم من المجاز يُستدعى لاستيعاب ذاك الحدث غير المسبوق في بلد يعضّ منذ عقود خلت على جرحه ، وذلك في سياقه الاستباقي في الزمن والجغرافيا؟


خانتني السليقة مرارا وأنا أحاول إعادة صياغة الحدث الأجلّ بلغة تستوعب كل هذا الجمال الثوري الأقرب إلى زهرة لوتس بريّة عملاقة تنفتح على سطح بحيرة من نار!


التسارع كان قياسيا منذ بدء اندلاع المظاهرات التي عمّت المدن التونسية كافة إثر إضرام رمز الثورة ، محمد البوعزيزي النار بجسده "احتجاجا على الظلم والقهر لا الفقر الذي كان قد تعود عليه" كما أفادت شقيقته ، حتى ساعة هروب رأس النظام في تونس وعائلته تحت ضربات الشارع المتعاظمة واقتراب المظاهرات العارمة من قصره المنيف.


آثر الرئيس المخلوع - بيد الشعب هذه المرة وليس بيد الأجنبي - أن يرحل تحت جنح الظلام ، ومن أبواب العاصمة الخلفية ، على أن يتقدّم باستقالته ويتنحّى عن الحكم ويواجه مسؤوليته أمام شعب ائتمنه على مقدّراته وأرضه ومستقبله فخان الأمانة.


لم يجد بن علي في أصدقائه الغربيين من يوفّر له مهبطاّ لطائرته التي اُستنفذ وقودها وهي تحوّم لساعات عديدة في أجواء الدول "الحليفة" بحثا عن ملاذ إثر انهيار صرحه الأمني الهش.


وتناقلت الأجواء السياسية هنا في العاصمة واشنطن أن الوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون طلبت في اتصال هاتفي مع مسؤولين في السعودية استقباله على أرضها! فالموقف الأميركي كان دائما ملتبسا فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريّات في تونس ، وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أصدرت في شهر أبريل الفائت ، وعلى هامش زيارة وزير الخارجية التونسي ، كمال مرجان ، للولايات المتحدة ، مذكرة رفعتها سارة ليا ويتسن ، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة قالت فيها : "تونس تتحدث كثيراً عن احترام حقوق الإنسان ، لكن ممارساتها في هذا الشأن شيء مختلف تماما" وأضافت : "على وزيرة الخارجية كلينتون أن تؤكد علناً على الرغبة في رؤية نهاية الاضطهاد للصحفيين المستقلين ونشطاء حقوق الإنسان ".


هكذا، وبعيدا عن التنظير السياسي الضيق والأدبيات التنظيمية الركيكة والاصطلاحات الأكاديمية الرصينة ، وقريبا من الحس الغريزيّ البكر بالحق الإنساني المطلق بالحرية والكرامة ، وتنامي الشعور العام بالحاجة إلى التغيير قبل الحاجة إلى الخبز ، أسّس شباب تونس لمشروعهم الثوري الخاص بعيدا عن النظرية التقليدية لتحقيق التغيير السياسي في البلاد العربية ، وتمكّنوا في حركية سلمية مهدها الشارع ، وعمرها أشهر معدودة فقط، من الإطاحة بطاغٍ مستبدّ وتقويض أسس حزب حاكم أوحد ونظام شرس حكم البلاد لمدة 23 عاما بسطوة الأمن الحديدية ، وكذا أجبروا رأس النظام على التسلل خلسة خارج البلاد تحت ثقل الغضب الجارف والحزن الشعبي العميم على شهداء الثورة ممن واجهوا رصاص عصابات بن علي الأمنية وقنّاصيه المنتشرين على أسطحة الأبنية السكنية بصدورهم العارية.


هكذا ، وبسرعة انتقال المعلومات في ألياف خطوط الانترنت ، انتقلت شرارة الثورة بين فئة الشباب التي تتجاوز نسبتها الـ 21% من مجموع التونسيين عبر موقع الفيس بوك الذي شكّل غرفة العمليات الحقيقية لإدارة هذه الحركة.


وإذا علمنا أن ما يقارب مليوناً ومئتي ألف تونسي يملكون حسابا خاصا على الموقع نستطيع أن نقدّر حجم وعمق التواصل والتنسيق الذي انتظمت عليه تلك الثورة وفاجأت العالم بأسره بقدرتها على التكامل والكمال في آن.


وكانت معضلة البطالة التي يعاني منها الشباب التونسي المتعلم ، والتي وصلت نسبتها إلى 14% في العام 2010، الفتيل الذي أشعل تلك النار الفارعة ، والتي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات عريضة على الفساد الحكومي والقمع الأمني وغياب الحريات ، منهية صلاحية النظريات الجاهزة والتقليدية التي يعتقد أصحابها أنه ليس بالإمكان الإطاحة بنظام استبدادي ما لم تتوفر معارضة سياسية منظمة ذات قيادة متماسكة.


هكذا أصبح بإمكان مارك زوكربيرغ ، الشاب الأميركي الذي أسس موقع الفيس بوك ، أن يفاخر بأن قارته "السابعة" التي أطلقها على أمواج الانترنت الرقمية كانت الجهة اللوجستية الحاضنة لأولى ثورات العصر وأصباها ، وأكثرها نورانية ، منذ اندلاع الثورة الفرنسية التي أطاحت برأسيّ الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت في العام 1793 ، وانتهاء بـ "ثورة الصبّار" ، كما يطلق عليها أهل سيدي بوزيد مسقط رأس الشاب البوعزيزي - نبي الثورة وشاهدها الشهيد.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





*شاعرة وكاتبة سورية مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية

السبت، يناير 15، 2011

ليتني حجر



ليتني حجر
آدم فتحي



لَيْتَنِي حَجَرٌ يا ابْنَتِي لَيْتَنِي مِنْ حَجَرْ

كَيْ أرَى ما أرَى دُونَ أنْ أنْفَجِرْ

لَيْتَنِي كُنْتُ لَوْحًا مِنَ الزِّنْكِ أو خشَبًا أوْ رُخامًا فلا أتوجَّعُ

أو أتفجَّعُ أو أتصدَّعُ أو أتبَعْثَرُ أو أنْتَثِرْ

كُلَّمَا امْتَدَّ فِيَّ السُّؤالُ شُروخًا وأَقْبِيَةً وسِهَامًا إلى أَيْنَ بَعْدُ ، نِيامًا وماشِيَةً ونَعامًا؟












وماذَا فَعَلْتُمْ بِأَحْلامِكُمْ يا أبِي ، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا؟





وأَيَّ بِلادٍ تُرِيدُونَ أَنْ تُورِثُونَا، حَشِيشًا وبرْدعَةً ولِجَامًا؟


وماذا تُرَى تَفْعَلُونَ بِأَحْلاَمِنَا وَهْيَ تُولَدُ كَيْ تتَدَاعَى وتَكْبُرُ كَيْ تَنْكَسِرْ












آهِ يا مَيُّ يا مَيُّ لَوْ تَغْفِرِينَ ولَوْ مَرَّةً لأَبِيكِ خَصاصَةَ عِيشَتِهِ وهَشاشَةَ حِيلَتِه ِوهْوَ أعزَلُ يحْرُسُ وَرْدَتَهُ في فَمِ الذِّئْبِ




لَوْ تَسْمَعِينَ لَهُ كَيْفَ يَطْوِي على خَفْقَةِ القَلْبِ أعْذارَهُ دُونَ أنْ يَعْتَذِرْ


كَيْفَ يَشْكُو ويَكْتُمُ شَكْوَاهُ كَيْ لا يُرَى شاكِيًا


كيْفَ يَبْكِي ويَضْحَكُ كيْ لاَ يُرَى باكيًا


كَيْفَ يَدْفنُ دَمْعَتَهُ في الذَّهابِ ويَدْفنُ شَمْعَتَهُ في الغِياب ِ


ويَفْرشُ لَوْعتَهُ في طرِيقِكِ كَيْ لا تَعُوقَ خُطاكِ الحُفَرْ


آهِ كَمْ ضاعَ يا ابْنَتَهُ فِيهِ يَجْرِي ورَاءَ هَوَاءٍ جَدِيرٍ بِفَاكِهَةِ الرُّوحِ


مُنْشَغِلاً عن سماءٍ مُطّوقةٍ بالسُّفُوحِ


مُطِلاًّ على نفْسِهِ في بلادٍ تَليِقُ بما سَالَ مِنْ دَمِنَا في عُرُوقِ الشَّجَرْ


ليْسَ فيها قراصِنَةٌ فَوْقَ ما يُسْتَطاعُ


ولا فُقَرَاءُ يُطِيعُونَ ما لا يُطاعُ


ولا أُمَرَاءُ يَبِيعُونَ مَا لاَ يُبَاعُ


ولا تتخَفَّى طَواحِينُها في ذِئابِ البَشَرْ


مائِلاً عنْ طَريقِ القوافِلِ مُلْتَحِفًا بأغانِيهِ في كُلِّ عاصِفةٍ


واقفًا في سفينَتِهِ يتحَصَّنُ ضِدَّ الشِّباكِ وضِدَّ الجِهات ِ


وضِدَّ الهَلاكِ وضِدَّ النَّجاةِ وضِدَّ دَوَاهٍ أُخَرْ


مُوحِشَ البَحْرِ مُسْتَوْحِشَ البَرِّ مُسْتَأْنِسًا بنَدَى قَلْبِهٍ ونِدَا شَعْبِهِ



مُصْغِيًا في سُكُونِ اللَّيالِي إلى خُطُواتِ السَّلُوقِيِّ مِنْ خَلْفِهِ


راجِيًا أن يَطُولَ السَّفَرْ


رَيْثَما يَتبَيّنُ ماذَا يُرِيدُ وعَنْ أيِّ سِرٍّ يُراوِدُ هذا المَدَى ومتى يَتسَنَّى لَهُ أنْ يَعُودَ من البَحْرِ أو أَنْ يَعُودَ من الحِبْرِ


أو أَنْ يَعُودَ من الحَرْبِ في هَيْئَةِ المُنْتَصِرْ


هُوَ ذَا...أَكَلَتْهُ الدُّرُوبُ فلاَ هُوَ عادَ بِعُشْبَةِ جِلْجَامِشَ الأَبَدِيَّةِ لا هُوَ لاَقَى عَرَائِسَ عُولِيسَ لا هُوَ شَيّدَ قَلْعَتَهُ عَاليًا لا هُوَ ارْتَدَّ عَنْ حُلْمِهِ وانْكَسَرْ


لَكِ أَنْ تَحْمِلِي المِشْعَلَ الآنَ يا مَيُّ.


فَلْتَحْملِيهِ



دَمِيتُ ولكنّني سأظلُّ على عَهْدِنَا مَا حَيِيتُ


يَدِي في يَدَيْكِ وكَفِّي على الجَمْرِ كَيْ لا يَعَضَّ على قَدَمَيْكِ


وإنْ طالَ هذا السَّفَرْ


تَتَمَشَّيْنَ حذْوِي على حَذَرٍ مِثْلَ مَنْ يَتَمَشَّى على كِسَرٍ مِنْ شَذَى الرُّوحِ


شَعْرُكِ يُومِضُ في لُجّةِ الكَلِماتِ وأنْتِ تُعِيدِينَ تَرْتِيبَ فَوْضَى الحيَاةِ


وتَأْثِيثَ قَلْبِي بمُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ مُتَسَائِلَةً كَيْفَ تَنْمُو صِغَارُ النَّبَاتَاتِ


والدُّودُ كَيْفَ يَرَى دَرْبَهُ في المَسافاتِ


والحاجِبُ المُتَقَوِّسُ في قُزَحٍ هَلْ يَنَامُ وتَنْصُلُ ألْوانُهُ في المَطَرْ


والنُّجُومُ التي انْتَثَرَتْ في السَّماواتِ كالبَيْضِ أَيُّ الدَّجاجاتِ تَحْنُو عليها لِتَفْقسَ


أمْ أنَّها صَدَفُ الذِّكْرَياتِ وحَلْوَى تَنَاثَرُ مِنْ عَرَباتِ السَّهَرْ


لنْ أَخِرَّ على الأرْضِ إِلاَّ لأَزْرَعَ فيها مَزِيدًا من الحُلْمِ لَمْ يَحْتَضِنْهُ الرَّبِيعُ


وحُرًّا كَمَا أسْتَطِيعُ، سَعِيدًا على قَدْرِ مَا أسْتَطيعُ


سَأَمْضِي إلى آخِرِ القَهْرِ، أمْضِي إلى آخِرِ الصَّبْرِ أمْضِي إلى موْعدِي المُنْتَظَرْ


رغْمَ يَوْمٍ يَحِنُّ إلى أمْسِهِ لاَ إلى غَدِهِ ، وغَدٍ يَتَعَمَّدُ إِخْلافَ مَوْعِدِهِ


صارِخًا في المَدَى حَيْثُ لا شَيْءَ يُرْضِي البَصِيرَة لا شَيْءَ يُرْضِي البَصَرْ


غَيْرَ شعْبٍ يمُوتُ ليَحْيَا، ويَكْتُبُ بِالدَّمِ فوْقَ عِبَارةِ يَحْيَا


إذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أرادَ الحياة


ولم تُوقِظِ الرُّوحُ فِيهِ المَوَات


ولم يَنْفُضِ القَلْبُ عَنْهُ الحَجَرْ


فَهَيْهاتَ أَنْ يَسْتَجِيبَ القَدَرْ


لَيْتَنِي قَشَّةٌ يا ابْنَتِي لا تخافُ العَجَاجةَ


بل لَيْتَنِي مَوْجَةٌ لا تُبَالِي إِذَا هَزَّها بَحْرُ بنْزرْتَ أَيْنَ تَقُودُ الزُّجَاجَةَ


أو قَمْحَةٌ تَتَكَسَّلُ في شَمْسِ بَاجَةَ


أو حَنَشٌ في مَسَارِبِ نَفْزَاوَتِي يُوقِظُ العَنْزَ مِنْ نَوْمِهَا ويُثِيرُ الدَّجَاجَةَ مُلْتَحِفًا بِشُعَاعِ القَمَرْ


لَيْتَنِي لِحْفَةٌ في رِيَاحِ المَرازِيقِ أو سَعْفَةٌ تَحْتَ حِمْلِ العَلِيق ِ


تُزَخْرِفُ رَمْلَ الجَرِيدِ ولا تَتَوَقَّفُ إِنْ نَسِيَتْ نَفْسَهَا في الطِّرِيقِ


لِتَسْأَلَ عَنْ حَجَرٍ أو بَشَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ خَرَّ مِنْ بَيْنِ غَمْضِ الجُفُونِ على رَأْسِهِ في الطَّرِيقِ


إلى تَاءِ تَالَةَ


أو بَاءِ بُوزِيدَ فاصْطَرَّ كالحلَزُونِ على نفْسِهِ لا رِسَالةَ


تَشْغَلُهُ لا بَرِيدَ ولاَ صَرَّ لا قَرَّ لاَ بَرْدَ لا حَرَّ لا صالِحِي لا مَطَرْ


لَيْتَنِي مَا وَرِثْتُ دَمَ المُتَنَبِّي ولا قَلْبَ دَرْوِيشَ


بَلْ لَيْتَنِي مَا عَبَثْتُ مَعَ المَوْتِ حتّى أَعِيشَ


إلى حِينِ أَصْرُخُ لَيْتَ الفَتَى حَجَرٌ لَيْتَنِي حَجَرٌ لَيْتَ رُوحِي وقَلْبِي وعَقْلِي حَجَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ كَيْ أَرَى مَا أَرَى :


الدَّمَ يُهْرَقُ والحُلْمَ يُزْهَقُ


والصَّمْتَ يُطْبِق ُ


مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَفَطَّرَ أو أَتَفَجَّرَ أو أَنْتَحِرْ



لَيْتَنِي حَجَرٌ، كيْ أَرُدَّ على كُلِّ هذا الرَّصَاصِ، وأَهْدِمَ سَقْفَ الرَّصَاصِ ، وأَصْرُخَ في جَبَرُوتِ الرصَاصِ


ارْفَعِ اليَدَ عنْ دَمِنا ،


وارْفَعِ اليَدَ عن شَعْبِنَا ،


وارْفَعِ اليَدَ عنَّا ،


فقدْ نَفَدَ الصَبْرُ منْ صَبْرِنا وانْدَثَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ...


غَيْرَ أنِّي بَشَرْ



قَدَرِي أَنْ أَظَلَّ أدُقُّ على بَابِ حُلْمِي بلَحْمِي وعَظْمِي إلى أنْ أمُوتَ على البابِ أو


أَنْتَصِرْ .

الأحد، يناير 09، 2011

أحبيني



(إهداء إلى الشاعر عبدالقادر بكار)


أحبّيني .. أحبّيني ..


أحبّيني

أما آنَ ؟؟

أحبّيني فحبّك أنْ تحبّيني

ولا ثانٍ لنا في الحبّ إلاّنا


أحبّيني وما أدراك ماحبّي ؟

فليت لديّ معجزة

وليت لديّ برهانا

أحبّيني مجاملة لأجلك أنتِ

أو أجلي

لأجل الحبّ ياحبّي

لأجل الله إحسانا

أحبّيني

عِديني بالهوى وعداًَ

وخونيه

كفاني وعدك الآنَ

كتجربة أحبّيني

لعلّكِ أنْ تحبّيني

ويغدو الحبُّ إدمانا

أحبّيني

بدافع أنْ تحبّيني

أحبّيني

لأيّ مبررٍ كانَ

ولو خطأً أحبّيني

أما أخطأتِ أحياناً

وأحياناً وأحيانا ؟؟؟

بلا سببٍِ أحبّيني

بلا حبٍّ أحبّيني

بلا شيءٍ أحبّيني

بمعجزةٍ أحبّيني

وخلّي الرقضَ إذعانا

خلّي العجزَ إمكانا

خلّي الكفرَ إيمانا

أحبّيني

أحبّيني

أحبّيني

لعلّ الحزنَ يحزنني

لعلّ الفرحَ يفرحني

لعلّي صرتُ إنسانا

أحبّيني

الأحد، ديسمبر 05، 2010

عن البيت


البيت يحمي أحلام اليقظة . ..إن الأماكن التي مارسنا فيها أحلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظة جديدة . ونظراً لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكناها نعيشها مرة أخرى كحلم يقظة ، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة . البيت هو ركننا في العالم . إنه كما قيل مراراً ، كوننا الأول . كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى . وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلاً . في حياة الإنسان ينحّي البيت عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية . ولهذا فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً ، إنه ـ البيت ـ يحفظه عبر عواصف السماء وأهوال الأرض .
البيت جسد وروح ، وهو عالم الإنسان الأول .


إن رسم صورة مبالغ في جمالها للبيت تلغي ألفته ، ويصدق هذا على الحياة ، ولكنه أصدق ما يكون في أحلام اليقظة ، إن البيوت الحقيقية للذاكرة ، البيوت التي نعود إليها في أحلامنا ، البيوت الثرية بأحلام اليقظة ، لا تمنح نفسها بسهولة للوصف ، فوصفها يشبه أن نفرج الزوار عليها .

إن سمات المأوى تبلغ حداً من البساطة ومن التجذر العميق في اللاوعي يجعلها تستعاد بمجرد ذكرها ، أكثر مما تستعاد من خلال الوصف الدقيق لها .


بغض النظر عن ذكرياتنا فإن البيت الذي ولدنا فيه محفور بشكل مادي في داخلنا . فسكنى البيت الذي ولدنا فيه ـ حلمياً ـ يعني أكثر من مجرد سكناه في الذاكرة ، إنها تعني الحياة في هذا البيت(الذي زال) بنفس الأسلوب الذي كنا نحلم فيه .


يشحن البيت الذي ولدنا فيه بقيم الحلم التي تبقى بعد زوال البيت ز تتجمع مراكز الوحدة والضجر والأحلام لتشكل بيت الأحلام وهو أكثر ديمومة من ذكرياتنا المتشتتة عن البيت الذي ولدنا فيه .


يشكل البيت مجموعة من الصور التي تعطي الإنسانية براهين وأوهام التوازن .


لو كنت مهندساً لبيت الأحلام فلسوف أتردد بين بناء من ثلاث طوابق أو من أربعة ، فالبيت المكون من ثلاثة طوابق هو الأشد بساطة فيما يتصل بالارتفاع الجوهري . يمتلك قبواً أو طابقاً أرضياً وعليّة ، في حين البيت المكون من أربعة طوابق يضع طابقاً بين الطابق الأرضي والعلية . وإذا أضفنا طابقاً آخرَ فإن أحلامنا تتضبب . في بيت الحلم يستطيع مسحنا التحليلي أن يعد لثلاثة أو أربعة .


أي عمق خاص يوجد في حلم يقظة الطفل ! ، وما أسعد الطفل الذي يمتلك لحظات وحدته . إنه أمر جيد بل ومطلوب أن يكون للطفل لحظات ضجر ، لأن يتعلم الجدل بين اللعب البالغ الإمتاع والضجر الخالص الذي لا سبب له . يحكي لنا (الكسندر دوما) في مذكراته أنه عندما كان طفلاً كان يعاني من الضجر إلى حد البكاء ، وعندما لقيته أمه يبكي سألته (ما الذي يبكي دوما ؟) فأجاب الطفل ابن السادسة (دوما يبكي لأن لدوما دموعاً ) . ومثل هذه الحكايات يرويها المشاهير عادة في مذكراتهم ، ولكنها توضح الضجر المطلق ، الضجر الذي لا ينتج عن مجرد افتقاد رفاق اللعب . هناك أطفال يتخلون عن اللعب لينصرفوا إلى زاوية في حجرة السطح يمارسون ضجرهم فيها . لكم أشتاق إلى علية ضجري عندما تجعلني تعقيدات الحياة أفقد بذرة الحرية ذاتها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جماليات المكان لغاستون باشلار . ترجمة غالب هلسا

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . الطبعة الثالثة . 1987م .

السبت، نوفمبر 27، 2010

عائشة والجدار



الجدار الطيني القديم بشكله المتداعي كان يعلونا بكثير ، كم وقف سداً عنيداً أمامنا يمد لسانه .. يدعونا إلى اللعب أو يقصره فينهي جلساتنا ويبطل لهونا ، هكذا حين يمد ظله الكبير ، أو حين يحجبه في تجاويف الأحجار الترابية المتآكلة ، أو حين يبتلع الكرة لينهي لعبة ويجبرنا على لعبة أخرى .


( عائشة ) المرأة الجميلة صاحبة الجدار ، كلت من رد الأشياء التي نقذفها وراء الجدار ، فتتساقط بجوارها وحيناً تصيبها ، وحيناً ما تفسد أشياؤنا غناءها الجميل ، وحيناً تطل علينا من وراء الجدار ، وتقذف بأشيائنا التافهة ، وحين كلت صارت تحجب الكرة عنا وتطردنا .


لقد كنا نفسد عليها وحدتها ، وننتهك الصمت الذي تحبه ، بأن صرنا نحفظ غناءها ونردده ومن دون أن نعرف مغزاه ، لكننا حين رأينا أمهاتنا تعض على الشفاه حين تسمع مانردده من أغان ، اكتشفنا في ( عائشة ) مكمن خطيئة من دون أن نعرف للخطيئة سبباً .


ومنذ ذلك اليوم صارت ( عائشة ) لعبتنا ، صرنا نتسلق الجدار ، ونطل برؤوسنا الصغيرة ، فنرى ساقيها ممدتين . فيستبد بها الغضب وتقف تطردنا ، فنهرب بعيداً ، لنتسلل بعد لحظات إلى ظل الجدار ، ونختار لعبة صامتة مكتفين بغناء ( عائشة ) الجميل ، كان جميلاً على الرغم ما ألصق به من خطيئة ولايخلو من نبرة حزن .


ظل الجدار يحجبنا ويحجب ألعابنا عنا ، ونحاول في كل مرة تكبد مشقة تسلقه ، لكي تمتليء عيوننا بشعرها الغزير وأنوفنا بعطرها النفاذ ، وفي بعض الأحيان تمد قوامها ....... فيعلو الجدار ، فتحبط محاولتنا ، واليوم حين عرفت سر الغناء وقفت بجوار الجدار ، ووضعت راحة كفي على أعلى حجرة فيه ، ونظرت بارتياح إلى ماوراء الجدار فرأيت بقايا إمرأة ، لم تبدل جلستها منذ ثلاثين عاماً ، وكان الزمان قد أطفأ نضارتها وسرق صوتها الجميل ، إنها تستسلم لنظراتي فأرى ساقين جافتين .... ولم تفعل شيئاً .......... ، صارت هدفاً مكشوفاً تنظر إلي نظرة العاجز اليائس ، إنها إمرأة لايمكنها الوقوف منتصبة ، لقد صار الجدار يعلوها ، صغرت ( عائشة ) وكبر الجدار ، كانت أكبر من الجدار ومنا ، واليوم نحن أكبر من الجدار ومنها .. الفرصة مهيأة لأن يلعب الأطفال ، ولكن من يضمن لنا نحن الكبار ألا نعود صغاراً ؟! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المجموعة القصصية (اللعبة) بموقع القاص سالم علي العبار

الجمعة، نوفمبر 26، 2010

حجّة أمّي



ظلت أمي عاماً كاملاً تسرد بنشاط وفرح وتفصيل سندباديّ قصّة رحلتها إلى بيت الله الحرام ، رحلتها الأولى في حياتها .

فمنذ الخمس وستين سنة التي مضت من عمرها عاشت حبيسة مساحة الأنثى القروية : المطبخ ؛ فإن خطت خطوة فإلى المربوعة لترتيبها من فوضى يخلفها الرجال حول القصعة أو حول الكارطة ، فإن خطت خطوة ثانية فإلى فناء البيت الذي دنسه الدواجن والبهائم ، فإن ابتعدت فإلى بيوت القرية ـ حيث كلّ قبيلتها ـ لتعدّ الولائم في المناسبات .

لأول مرة طوال تاريخ تطور وسائل النقل من الأنعام إلى الكاروات إلى السفن إلى القطارات إلى السيارات إلى الطيارات تسافر هذه المرأة الساذجة الموشمة الوجه والذراعين ؛ في حافلة وباخرة وطيارة على التوالي ، إلى الجبل الأخضر فإلى طبرق فإلى السلوم فإلى أم الدنيا ، ثم إلى أين ؟ إلى مكة المكرمة حيث بيت الله والمدينة المنورة حيث قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وزمزم ، أماكن ومشاهد لم تكن سوى أسماء في مخيلتها لا حتى أحلامها ، فأية تجربة هذه لأمرأة هي هذه ؟ ، المرأة التي حملتنا في بطنها واحداً واحداً تسعة أشهر ، وعامين في حجرها أو على صدرها أو على ظهرها ولا تزال تحملنا في قلبها ، وعاشت عصراً حمّالة لأشيائنا وحاجاتنا وأخطائنا ، نحملها نحن هذه المرة إلى المصوراتي لتسلم ارتباكها وعفويتها لشاب مزركش الثياب يأمرها :

ـ إرفعي رأسك فوق شوي ياحاجّة ، لأ. لأ لوطا شوي ، آيْ وهْ ، ردّي بالك اتحركي ولاّ ترمشي عيونك ، واحد اثنين ثلاث .

ـ خلاص يا بوي؟

ـ خلاص يا حنّي.

ـ أوّين تصْورْتي عَيْد؟

ـ ساعتين بس وتكون جاهزة ، هَيْ تفضلي بالسلامة.

ثم إلى الجوازات :

ـ هَيْ ابصمي ياحاجة.

ـ وين يابوي؟.

ـ هَنْ ياحاجة ، لا لا لا ياحاجة هَنْ هَنْ ، آي وه بالزبط .

ثم إلى الهلال الأحمر:

ـ وعليش جرحتـّم لصبْعي ؟ .
ـ مرات تستحقي إلدم .

ـ نسمعو نسلمو انشالله ، نا ماشية البيت الله ولاّ الحرب ؟ ، سوّهم في دوّهم.

ثم إلى المصرف لتستلم المنحة:

ـ هذا هو البنك و؟.

ـ إي نعم هذا هو.

ـ انشا الله ابطَولةْ عمري ؛ هذا وين عمري ريته .

ـ إي وا عليك بو زفر ياحاجة.

ثم إلى السوق : لشراء حقيبة وصاكـّو يُكتب عليهما بالخط العريض اسمها مضافاً إليه لام أليف لتميزهما هي عن سواهما ، ثم لتملأهما هناك بالسّبَحْ والصلايات والبخور والمعارق الصفر والسواري والعقود والصوّرات والساعات والبنادق للأطفال.

الطارقون الباب يسألون عنها يريدون أن يروها قبل أن تسافر ، والحالـّون بيننا يتحدثون إليها ، والهاتف يرن لينقل إليها أصوات المباركين والأمنيات بالسلامة أو الاعتذار عن عدم حضور الحفلة .

ـ أمتى متسقدين يا حاجة إنشاالله ؟ . سلمي لنا علي رسول الله ياحاجة ، . راكي تنسينا مالدعاء ياحاجة . ردّي بالك من روحك يمّي . راكي تنسي موعد الدوا . اللي ما تقدري عليها إدّيها . ردي بالك من زحمة أيام الرجم . الضرب عالنيّة يا حاجة . صوّارة حقيقية يا حنّي.

وتدور الأحاديث وتدور وتدور لكنها تعود إليها كما ابتدأت منها .

ثم عانقناها وقبلنا يديها ورأسها ومزجنا دموعنا بدموعها ؛ و وجدنا رائحتها الطيبة فائحة في شحنة لحظة الوداع تلك ، ثم حملناها مثل عروس في موكب صاخب بالدرابيك والأكف المصفّقة والزغاريد ومزامير السيارات ، ورجعنا واجِدين ، وركزنا لها راية بيضاء دعمناها في وجه الرياح ؛ وحرسناها من العيون بأعيننا.

فماذا فعل كل هذا الاهتمام بقلبها الكبير يا تـُرى ؟ وفي أي تجربة مفاجئة وضخمة ودفعة واحدة أقحمناها ؟ بعد إهمال ولا مبالاة وأنانية أولاد دامت ستين عاماً ؟ ، تبارك من فرض الحج ؛ وسلام على من أذّن به في الناس أول مرة ؛ والحمد لله الذي وضع أول بيت للناس وجعله مباركاً ، ثم الحمد لله ولو من أجل تلك الفرحة الغامرة التي بُثّت في روح وكلمات أمي ، وفاضت في محيّاها بنور أعاد إليه بمعجزة ربّانية ما سلبه الزمن من رونق وحيوية وشباب ، عام من الثرثرة المغتبطة البهيجة عن رحلة كأنما لم يذهب معها أحد ، أو كأن الملايين الذين رأتهم هناك إنما أقبلوا لكي يلتقوا بها هي ، نعم أمي ذهبت هي أيضاً مثلما ذهب جدي شيخ القبيلة منذ أربعين سنة وخالي المدير وزوجته منذ خمسين .

في المحطات والبوابات والاستعلامات كان يُنادى على اسمها وكاملاً "أم السعد سعيد علي مفتاح" .

ـ في التابوس ـ تقول ـ طول الطريق ونا واعية ؛ ونشوهي للولد السوّاق وقرينه اللي يعاون فيه ، والحقيقة اشهدوا لي شهادة سمحة ، قالوا للزابط أوّلْ ما اتسقّدْ أوراق الحاجة نفّاقتنا البدوية هذْ .
ـ أوغادي ـ تضيف ـ وينما جينا حصّلنا شقة سمحة في بالاص قريّبْ مالشيطان الكبير.فيقول لها أبي : ورجمتيه الشيطان ؟ فتجيب إي والله ، فيعلق : يا مرقد ريحه الشيطان اللي رجمتيه حتى أنت .

ـ او في مكة جميع الحجاج لاخرين حتى ملْ لسلام النصارى يقولو لي مرحبه يا ليبية مرحبه ياليبية ، مَو عَيْد نا كنت لابسة الردا لبْيَض المخربش ، هضا هو اللي كانن الحاجات لوّلات ايحجن بيه ، كَلاّ الجلابيب السّود هذين ما كنا نعرفوهن بلكل ، ماهن شي لنا نحنا يا الليبيات .

عام قمريّ تام ، وكل موقف يذكـّر أمي بموقف في رحلتها ، وكل كلمة تذكّرها بكلام قيل هناك ، وكل موضوع تفتحه بقولها : في مشيتي للحج في حجّتي ، إلا أنني مع اقتراب حول حجتها لاحظت فتوراً في حماسها وهي تسرد ذكريات حجتها ، تحوّل فيما بعد إلى ما يشبه الحزن الشفيف ، ثم لم أعد اسمع منها حرفاً يتعلق بالحج ولا بغيره ، وبدتْ وسط صخب إعدادنا لحفلة حجة عمتي صامتة تقريباً .

المشاركات الشائعة