
هـذا الصباح ، في المستشفَى في المدينة ، لفظ مؤذن مسجد القرية العتيق منذ خمسين سنة ، آخر أنفاسه عندما كان ضوء شمس الحادية عشرة لا ينسكب – بفضل السحب - عبر نافذة حجرته على سريره في بيته في القرية ، لو عاش لنصف ساعة أخرى ؛ حتى دخل عليه مرافقه النهارىّ من أبنائه ، لعلم منه أن الوادي قد قطع الطريق بين القرية والمدينة .
زحف كلُ أهل القرية إلى الحيّ القديم ، فكنت تراهم رجالاً ونساءً وأطفالاً ؛ يصّعدون مثل قطعان الماعز مجلِّلين الهضبة ؛ التي بللتها زخـّة شؤبوب عبرت الليلة البارحة .
لم يكن نبأ فاجعاً ، لكنه كان يبعث على درجة من التأثر ؛ كما لو أن الريفيين قاموا في الصباح الباكر فوجدوا صنوبرة ساحة الحيّ الهرمة نائمة على الطريق .
حتى قبيل الخمسين عاما كان هذا الميت ـ الذي كان مؤذناً شيخاً ـ فتىً عربيداً جوّالاً على كارّو يتنطق بشملة حمراء ؛ يغرس بينها وبين خصره من اليسار قنينة خمر ؛ وفي الجانب الأيمن خنجراً يشهره على بعض أصحاب الدكاكين والقصّابين ؛ آمراً هذا بأن يناوله كم علبة حلوى طحينية ، وذاك بأن يضع له هاتيك السقيطة ، وإلاّ أغمد خنجره في عين هذا أوفي كرش ذاك ، ثم يتوجه من هناك إلى القرية ، ويظل يرشف من قنينة الخمر تلك ، لكنه من منتصف المسافة ، بعد أن تعبث الخمر بحواسه الخمس يبدأ في صبّ لعناته على الحمار ؛ متهما إياه بأنه حمار حقا وخمران ، ويلهب مؤخرته بسوطه السودانيّ ليعود به من جديد إلى نقطة إنطلاقهما .
بعد رحيل كثير من الإيطاليين عن البلاد إثر هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية ، استردّ الفتى دكان جدّه في القرية أسفل القلعة ، الذي كان قد جعل منه تاجر إيطاليّ يدعى كاتالينو و زوجته اليهودية خمارة .
حدّثنا ذات عشية ، تحت ظلال المسجد ، حديثاً عصبياً متقطعاً أنه إذا كان لا يعرف ما الذي ظل يدفعه طوال مراهقته إلى التشرد والانحراف ، فإنه أيضاً لا يعرف ما الذي حلّ به ، وهو يمسح بنظراته ذلك الدكان المستعاد لأوّل مرة بعد سنوات ؛ لا يعرف كيف خطر له أن يحوّل تلك الخمارة المستردة إلى بيت لله ، وهو الذي لم يضع جبينه على الأرض منذ طفولته ؛ حين كان يحاكي والده أثناء صلاته .
مسجدٍ لأهل القرية البدو الذين تقاطروا إلى مباني القلعة التي هُجرت ، ليتخذوا منها كلها دون تفريق بين عنبر أو إسطبل أو كنيسة مآوي لهم ، والذين لم تجعل لهم تلك السنون السوداء من نصيب في الفقه في أمور الدين .
ـ نا أوّل واحد يذ ّن في هالقرية.
كان دائما يقول بفخر ثم يضيف بضحكة هازئة :
ـ والله يا جماعه ، وحق ربّ هالبيت ، في هالمنطقه ماكانوا عارفين فيش اندير وينما صبيت فوق سطاح الجامع وتميت نذن ، أوينما افطنت وبهتت لاوين عرب النقطه كلهم كبار وصغار وحتى الصبايا رافعين اعيونهم معاي ، ونلقاني ما عاد مسكت في روحي ، واخلطت آذان علي بكا ، وما نزلت مالسطاح زين ، نين جاني عمر هض ، هاللي توّ بعياله ، وقاللي يسلم عليك باتي ، وقالّكْ الله يرفع مقامك اللي رفعت صوت الحق في هالقريه ، وقالك راني هالموقف هض ريته في المنام ، وقالك لا اتحركش مالحوش راني جايك بعد العصر ).
ومنذ ذلك اليوم صار للمسجد مع المؤذن إمام ، ومع الأيام تطوع آخر بهدم جدار دكانه المجاور ليحوّله إلى توسعة للمسجد ، ثم شيئاً فشيئاً صار للمسجد روّاد ولجنة إشراف واسم رسميّ نقش على رخامة رصّعت جانب واجهته ، وإن ظل الناس يسمونه جامع محمد علي كريّم ، بعضهم معترفاً بفضل الرجل القائم ليلاً نهاراً على خدمة المسجد ، وبعضهم قادحاً في أسلوبه الحاد في معاملة المصلين وكأن المسجد بيته : فإلى أن عرفتْ القرية الحنفيات ظلّ هذا الإنسان بصبر وجلَد جمل ، ينقل كل وقت ، من الفجر إلى الفجر ، برميلىْ ماء (جرمانيين) يتدليان إلى جانبيه من عصا على كتفيه ، مثل كفتي ميزان ، وإلى أن وصلت الكهرباء إليها ظل يكبر ويشيخ خفية ، وهو يصعد ويهبط سلّماً حجرياً ؛صنعه بيديه ؛ إلى سطح المسجد لرفع الآذان ، ولكن لا أحد لم يره ؛ ولو مرة واحدة ؛ يطارد الأطفال المكركرين في المسجد قاذفاً وراءهم أحذية المصلين ، لاعناً آباءهم وأمهاتهم الذين لم يربّوهم ، أو قاطعاً تسبيحه أو تلاوته و مندفعاً إلى ( المواضي) ليعنف أحدهم على الإسراف في المياه ، أو عدم إحكام الحنفيات ، أو جاذباً آخر من عمامته إذا اقترب من ناقل الصوت لرفع الآذان .
بعد العصر بوقت غير قصير ، وكان قد رفع الآذانَ صوت آخرُ ، سألتني جدتي القاعدة في البيت :كيف لم يؤذن للعصر حتى الآن .
أما الليلة في السهرية ، فإني متأكد أنه سيروى ، في أكثر من حلقة دردشة ، أن الحاج محمد علي كريّم رحمه الله ، في أول يوم لناقل الصوت في المسجد ، نصحه ناظر المدرسة بأنه لم يعد هناك من داع لأن يتعب نفسه بالصعود إلى سطح المسجد ، فما عليه سوى نقر رأس الميكروفون و التصنت لوشوشته ، ثم يرفع الآذان ، وعندما فعل الشيخ ذلك وتصنت لم يسمع شيئاً فقال بتذمر : (خـرررررفي ياحليمه) ، لتسمعه القرية عبر مكبرات الصوت .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة من tajouri_sedi_abdassalam_zleetin








