الأحد، يوليو 11، 2010

أول يوم في العمل












ما زلت أذكر تفاصيل ذلك اليوم الذي وجدتني – بخلاف المعتاد – مستيقظاً باكراً لأبدأ أول يوم جديد في حياتي ، أول يوم في عملي ، في مكتب بريد القرية ، وكنت أثناء إعدادي لملابسي وتناولي لإفطاري أغالب قلقاً من سؤال يلح عليّ منذ الليلة الفائتة : ضروري ساعي البريد يوزع الرسايل علي بشكليطة ؟ ، وهو ما خطر لي ساعة كنت أفرغ البيانات بعد تقديمي للطلب ، ورغم أنه لم يكن من عادتي أن أفتح فمي في الصباح إلا لقول كلمة وحيدة وبصعوبة هي (خير ) ، إلا أنني استفهمت من أخي ، و كـان يسـّوّي حزامه العسكري ، ويبدو أن اليوم لم يكن جديدا إلا عليّ ، فقد أجابني دون أن ينظر إليّ :
ـ وين نندري عليه ..
ثم بعصبية أقل :
ـ غير امسك في عملك ، مدني ..... .

كان شتاء قارساً ، تسوط فيه الرياح البريكات المترعة بماء مطر ليلةِ وفجرِ ذلك اليوم ، وتئـن في أسلاك الكهرباء ، وكان التلاميذُ والناس غير منتشرين ولا صاخبين كالعادة في الطريق ، بل يسيرون مثل جماعات البطريق متلاصقين يغالبون الرياح ، بينما يلوذ آخرون بالجدران في انتظار الحافلة ، وأبوابُ الدكاكين مواربة تزدحم مداخلها بالبضائع ، أما المخبز الذي لازحام أمامه ، فكانت مدخنته تتثاءب بدخان ثقيل ؛ ما إن يرتفع حتى يضطرب وتمزقه الرياح ، والأشجارُ تتلوى وتكاد تنقصف ، و العصافير تُجذب إليها كأنها هاوية ؛ وكنت أنا الوحيد الذي تدفعه الرياح إلى الأمام ، و يمكنني أن أتخيل الآن كيف كانت شعلة شعري الطويل على الموضة ، وأشرعة بنطلوني الواسع ، ولا شك أني كنت مشغولا بأحاديثَ ، افترضتُ و قدّرت أن الناس عند الجدران يديرونها حولي ( أهو عندك بولافي ماشي العمله) ، (اوْ هوْ عمله وين ؟) ( مو عمه كلّمْ عليه الجماعة ، او دبّروله في وظيفه فالبريد ) ، وكنت أهرب من هذه الخواطر التي تربك خطواتي إلى التشاغل بمراقبة السماء الرمادية والمباني والأشجار في مرايا الغدران كلما أمرّ بها ، حتى لاح لي من بعيد باب مكتب البريد مقفلاً ، فساورتني فكرة الرجوع و مواصلة النوم ، ثم فكرت أنهم لابدّ أقفلوه الباب بسبب العاصفة ، ثم لم أرَ أنه من التفاؤل النكوص في اليوم الأول .

عندما دفعت الباب وجدته محكماً ، درت وأنا أفرك يديّ من الحرج أكثر منه من البرد ، وأنظر حولي ، لكنّ طقطقة فوق رأسي نبّهتني ، طالعني وجه مدير المكتب من وراء زجاج نافذة عالية كثيراً ، وبعينيه خلف نظارته خلف الزجاج بدا وكأنه في صندوق للتعقيم ، أشار لي بأبهامه ، وهو يحاول التحدث بجانب فمه الذي حوّل عنه الغليون ، فهمت أنه يدعوني للدخول من الباب الخلفيّ ، عادت ملابسي إلى سكينتها فجأة وركدتْ تسريحتي ، ومثل محرك انقطع عنه التيار الكهربيّ كُتمت الرياحُ في لحظة ، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي ذلك المدخل ؛ أنا المقيم بالقرية منذ ثلاثين سنة ، نفحتني رائحةٌ هي مزيج من بول ٍ وسجائر وشاي بولغَ في غليه ، وبين بابين أحدهما أسوأ حالاً من الآخر رفعت صوتي بصباح الخير ، فجاءتني صيحة من وراء الباب المرصّع بآثار مسامير عشرات الرتاجات والأقفال ، دفعته بأقوى مما استحمل ، فصاح أحدهم :
ـ سَكّرْ سّـكّرْ سـَكّر .
وما كان سوى المدير على قمة سلّمٍ ألمونيوم ، حيّيّته:
ـ صباح الخير .
لكنه واصل صياحه:
ـ سكّر الباب يا راجل تيّار. صقع . سَـكّر .
أقفلت الباب ، ولست أدري لماذا كنت مصرّا على التحية فكررتها ، فردّ دون أن ينظر إليّ وهو يُحكم سـدّ النافذة الزجاجية المخلوعة :
ـ خير خير ليش موش خير .
ثم أضاف بتنغيم :
ـ آهه ْ! . الروشن اللي تجيك منه الريح سده واستريح ، حتـّى الروشن ! . موش امغير الباب .
ثم وهو يلتفت من على قمةالسلم كأنما بتهكم :
ـ أهـْـلَـنْ .
لم أعرف بماذا أفكر أو أقول أو أفعل ، أحسست أن حالة الحجرة الضيّقة ، بخزانتها الحديدية المخلوعة الأبواب ؛ والكراسي المكسرة والمقلوبة والخربشات على الجدران والطاولة وجرادل الزّواق وتسلخات جلد المكتب ، كلَها ، تنظر إليّ معاً مرة واحدة ، لم أستطع ترتيب خواطري وتقسيمها بين الحجرة والمدير والأفكار المسبقة وخاصة دراجة ساعي البريد ، فقط ، قررت أني يجب أن أرتب ذلك المخزن ، لكن صوت المدير جاء وهو ينزل بحذرٍ السلمَ درجة فدرجة :
ـ والنبّي كذا نزّل هالشاهي عندك ؛ ما اطبخت إلا واجد ، وشوف السكر ، بلكي شوىّ .
وجرّ كرسيّا بلاستيكياً أعرجاً وقال:
ـ كرّ حكيّة هالنيدو عندك ، وقعمز، آيوه ، تريّح وحياة سيدك .
ثم اختصر زمن حيرتي أمام أكواب الشاي بقوله :
ـ صبّ ؛ صب ياراجل حتى بلا مصمصه ؛ صبْ صبْ ؛ صبْ وعدّي .
ثم راح يرشف الشاي ساهمَ الطرف ، حتى شعرت بأن الرجل لا يشعر بوجودي ، وظل كذلك فترة ، إلى أن سمعتُ صوت قادم ، فقال وهو يشير إلىّ بذيل الغليون:
ـ أسمع أسمع ، أكرسْ وراء هالدولاب) .
وحين لاحظ حيرتي أصرّ :
ـ تي اكرس ياراجل ، اكرس بس ، غير اكرس وما تطلع نين نقول لك .
ومن وراء الخزانة عرفت أن القادم هو الحاج اكريّم ؛ صاحبُ الدراجة التي نراها دائماً أمام مكتب البريد ، تناولا حالة الطقس العاصف ومقتطفات أخرى من أخبار القرية ، ثم سأل المدير:
ـ فيه العيّل هذا اللي كلمنا عليه الأستاذ حامد ...
فأجاب الحاج اكريم بسؤال :
آ إيوهْ عرفته ؛ كنـّهْ؟ .
فأكمل المدير:
والنبي أيش رايك فيه ياحاج اكريم؟ .
فأجاب الحاج :
ـ هالشكل هذا ما عندش فيه راي ، خسارة لو مو خاله حامد .
فقال المدير:
ـ أوْ هوْ كنـّه ؟.
فردّ الحاج:
ـ ما ريت جميمته اللي كي جميمة البنيّه؟ .
فقال المدير :
ـ وانت مالك ومال جمته ؟ .
فردّ الحاج اكريم بانفعال:
ـ تي والله ما ودّك الاّ تمسكه وتجلمه .
فقهقه المدير ، وقهقه الحاج انسجاماً مع ذلك ، لكنّ المدير قطع ضحكته من منتصفها وقال:
ـ و الله يا سي كريّم هذا ما جلموه هله ، تريد اتجلمه انت !.
فصاح الشيخ:
ـ تي عليّ اليمين عليّ اليمين لو ايجي و اتجيبلي جلم انجلمه ، ونكان ما جلمته عليّ ابحولي ابقشاطته.
فصاح المدير ممطـّطاً كلماته:
ـ ابعاااااااااااء ؛ خلاااااص ، اظهر وبان عليك الأمان .
وانتفض الحاج كريّم عندما رءآني ، حتى كادت عيناه تفرّان من محجريهما ، بينما راح المدير يغرق في نوبة من ضحك حقيقيّ شهيقاً فقط .


وعلى هذا النحو من العمل مضت سنوات العمل.

الثلاثاء، يوليو 06، 2010

دخان




لدى أستاذ يادم عداوة للتدخين لا يمكن تفسيرها فقط بكراهة التدخين أو حرمته، فكم من المعلمين يوصون أو يعاقبون تلاميذهم على التدخين إذا وجدوهم متلبسين بذلك، وكذلك الأمر بالنسبة للوالدين والأخوة الكبار والأعمام وسواهم، أما بالنسبة للأستاذ يادم فالمسألة أبعد من ذلك، فهو يمر مثلاً على طابور الصباح وطابور ما بعد الاستراحة يتشمم أفواه التلاميذ وينظر في أسنانهم وأظافرهم وأناملهم، أو يختبر هذه بغطسها في سطل ماء، فإن رأى أثر صفرة عليها، أنزل العقوبة بهذه البيّنة، بل إنه يعرف أنواع السجاير التي يدخنها زملاؤه من المعلمين والفراشين.
فالأستاذ صالح يدخن الرياضي والحاج سالم يدخن الجفارة والمدير يدخن السفير وهكذا، فأي عقب سيجارة تقع عليه عينه الحادة في أي زاوية من زوايا المدرسة، لا بد وأن يتفحصه عسى أن يكون غريباً، فيفتح تحقيقاً دقيقاً في ذلك حتى ينتهي إلى يقين، بل إنه يفتن التلاميذ ويختبرهم بأن يلقي في ممر من الممرات عقباً، ويكمن وراء الأبواب مراقباً، عسى أن ينحني أحدهم عليه، أو يقترب منه، ولكنها خطة صارت مع الأيام وبفضل اقترانها بالعقوبات الشديدة، معروفة مجتنبة مشتبه فيها، بل إن أحد التلاميذ إذا أراد الكيد بزميله، فما عليه إلا أن يدس عقباً في حقيبته أو جيبه، ويبلغ عنه أستاذ الدخان، أستاذ يادم.


وكان للأستاذ يادم نص كلمة واحد في كل اجتماع لأولياء أمور التلاميذ:ـ


(أيها لخوه الآباء وأولياء الأمور التلاميذ السلامو عليكم ورحمة الله وبركاتو .. نذَّكَر ونا عيّل في سنة ثالثة ابتدائي، والحالة حالة شتا وصقع، لكن ياجماعة كان الصقع دافي، انظر مالصغر، انظر من سماحة الوقت، الغايتو كان جاينا خالي رافع، مراكم الا تعرفوه الله يرحمه ويسامحه! كان ادخاخني تايحه، سبسي في جرة سبسي، نين العرب امسميينه البابور مالدخاخين، مات عالتسعين وهو ايدخن، ويمضغ وينفنف، وتو هناك عرب ايقولو لك الدخان ايسبب الوفاة، لا إله إلا الله محمد رسول الله، العمار فيد الله يا اسلام، الحصيلو كنت قاعد احذاه هو وباتي الله يرحمه ويسامحه فالمربوعه، وما شر من خالي فالدخان إلا باتي، الله يرحمهم ويسامحهم، هاذك الليلة خلوا مربوعتنا فوق السحاب مالدخاخين، قول تمددوا عالفراشات والسباسي ما زالن في أفواههم، ونا انتفرج عالتلفزيون، نرجا في اغنية أم كثلوم امتى اتفض، بيش نحضر السهرة، وهو باتي ايطوح سبسي ودّان كامل إلا حاجة ساهله، وما يطب هاذك السبيسي إلا قدامي، وحط يا رحيمته العباه علي وجهه، هو حط العباه علي وجهه وخيّكم ينط اتقول قط ويلقط السبسي، واللي مانش فاطنلها إن العملية كانت موجرد كمين من باتي، ثاريته ايبصكل فيّ من تحت العباه، كان امنقد عليّ إني اندخن وموش متيكّد، والا قيسّا العزوز قايلتله عالدوّة، لا جل هي كم مرة لاقية في جيوب سراويلي عقابات، نا ما حطيت السبسي في فمي زين نين حياة باتي ينفض العباه من علي وجهه ويقول لي: (كما كنت!) إي والله (كما كنت!) مو عَيْد هو كمّل عمره فالعسكرية، ويصبي ويهد علي، وهذي اتصيدك، وهذي اتخطاك، شي ابواني، وشي كالشوات، وشي روسيات، وشي كفوف، وخيكم طالق لعياطات، وينما ادهش ياخذ وينزل سير البدلة العسكرية يريد ينزل فيّ بيه، رميت علي خالي، ويا نازل مالعلة يا طايح في سلاّل القلوب، اينوض خالي ويشيلني شيل، لاعند التركينه اللي فيها العقاب، وياخذه ويبقى ايلذّع في بيه علي شواربي وخشمي، وحتى ذاني، إي والله، شور أيش ذاني؟ ما نيش عارف، قيسه إيريدني نكره بنة الدخان وطعمته، وحتى طاريّه، أهن هاللطاطيع هذين هاللي اتحقو فيهن علي ذاني راكم تحسابوهن كَيّ والا خرت، لا والله إلا من تلذيع خالي لي هاذك الليلة اللي انموت ولا ننساها، ابهاذك السبسي اللي كان آخر سبسي انحطه بين شواربي).


وكان بعض أولياء الأمور بمن فيهم المدخنون يقرونه على ما توحي به الحكاية ويؤيدونه ويدعون لأبيه ولخاله بالرحمة والمغفرة، وأول بند يناقشونه في مجلس الآباء تحت سحب دخان المدخنين منهم، هو بند آفة التدخين، ويعبق مجلسهم بتقريع أنفسهم آباء ومعلمين مدخنين، وبأسفِهم على أن لم يجدوا من يحول بينهم وبينه ولو ببتر السبابة أو الوسطى، ثم يختمون مجلسهم بأن لا هوادة مع الأولاد والتلاميذ في هذا الشأن أبداً، موصين الأستاذ يادم خاصة بأن له مطلق اليدين في العقوبة.


ولا توصي يتيماً ببكاء، فالأستاذ يادم بغير حاجة إلى أن يوصيه أحد، والحق يقال فإنه قد قضى على دابر الدخان في المدرسة، حتى ولو كان علبة علكة أو شوكولاطة على شكل سجائر تباع في المقصف المدرسي، كما كانت له أعمال جبارة في هذا الشأن، منها قيادة حملات على أعقاب السجائر على حواف الطرقات العامة والأرصفة في سوق القرية، وإقناع خطيب الجمعة مرات ومرات لتناول آفة التدخين.


ومما يروى من قصص على شدة حرصه، في تتبع المدخنين أنه ذات يوم من أيام أول الأعوام الدراسية، كانت قد وصلت على ظهر فيات شاحنة بالجرار حمولة / طلبية مقاعد دراسية، انهمك التلاميذ في إنزالها تحت إشراف الأستاذ يادم، الذي لم يلهه العمل عن همه الأول: مكافحة الدخان، حيث تمكن من شم رائحة دخان غريب، ما هو بدخان أي من أفراد طاقم المدرسة، فاستطلع المكان، فعثر على ولد قاعدٍ متكئاً على عجلة الشاحنة يدخن، فجثم عليه، وصاح ببعض التلاميذ فأمكنوه منه في محله، وشرع في إنزال الفلقة به، ولم يكن الولد سوى الأوتانتي / مساعد سائق الشاحنة.

السبت، يونيو 19، 2010

عمتي تجديدة

عوضاً عن تعرف كل واحد منكم شخصياً ـ أنتم والأجيال الآتية ـ بعمتي تجديدة علمني ربي كتابة الحكايات ..

أليس عادةً الخراريفُ العجائزُ تقصهـا ؟ ، لكن عمتي تجديدة تصنع لها أجنحة ، وحين تضيء مسبحتها تبدأ تخريفَ خراريفها أليفةِ الحيوانات.

مرة يا سيدي بن سيدي فيه هاذاك ألـ.......

إلى أن يرجع سيدي ذاوود ـ الذي يشبه السبع ـ من الحصاد ، ـ على أن عمتي تجديدة لا تشبه سوى الغزالة التي ارسلها سيدي ذاوودفي الحمادة ، ولم يذبحها ، لشبه عينيها بعينيها ..

يسعل سيدي ذاوود عند العتبة سعلتين ، فتخشخش أساورة عمتي تجديدة مرتين ، وترجع من آخر الخرافة ، ونغادر إلى بيتنا تحت جسر درب التبانة ، حين تكون كل حجرة نجمة تحت أقدامنا ، وظلالنا تفسح لنا الطريق من أزيز الجنادب ، وتكون حيوانات الخرافة قد غادرت بدورها ، فنسمع الكلاب وهي تنبحها عند أقاصي القرية ، فيما وراء سدرة الليل وسراب النهار ، ونجد أثر لهاثها وعرقها في المنعطفات .

الأربعاء، يونيو 09، 2010

محو الأمية





قبل أن يكمل الأستاذ علي قوله " ذهب محمّد إلى السوق " ، قاطعه الشيوخ قائلين معا "صلّى الله عليه وسلّم".


في أولِ مرّة في الحصّة الأولى ردّدَ هو أيضاً معهم التصلية والتسليم ، لكنّ الشيوخ لم يكفّوا عن ذلك في كلِّ مرة ، فاضطرّ إلى أن يقطع الدرس ويبيّن لهم المسألة قائلاً :


ـ " ريتو يا حِجّاج ، نحنَ توّا نتكلموا علي شخص عادي كيفنا اسمه محمّد " . فهمهم الفصل :


ـ" صلّى الله عليه وسلّم " . فانفلتتْ من الأستاذ علي ضحكة وهو يقول

ـ" دخيلتك يا رسول الله " ، وتقدّم وراح يستلم كتب القراءة من كل واحد ثم عاد وجلس إلى الطاولة وبدأ في تحويل اسم محمد إلى محمود تفادياً للّبس الطريف ، وأذن للشيوخ المدردشين بالتدخين حتى حين .

يومَ تطوّعَ الأستاذ علي ـ المعلم بالابتدائي ـ في دورة محو الأميّة لم يتصوّر أنّ التعامل مع تلاميذ شيوخ لا يقلّ إزعاجاً عن التعامل مع تلاميذ أطفال ، فلم يصدّق أنّ هؤلاءِ أيضاً يتشاجر بعضهم على المقاعد الأماميّة والجيّدة بل والملساء ، أو التي بجوار الشبابيك ، بل إنهم وقد وجدوا ساحة ثانية ، نقلوا إليها مشاكلهم في العمل والبيت والشارع ، وكان موقف الأستاذ علي حرجاً ؛ حيث لا يكون بوسعه نهر أحدٍ منهم ، ناهيك عن معاقبته كالتلاميذ الصّغار .

كانوا سبعة ًمن الشيوخ هم كلُّ طلبة الصّفِّ الأول الابتدائي من كثير لم يتحمّسوا ، متّخذين موقفاً هازئاً تحت الشّعار المعروف (وينما شاب خشّ الكتّاب) ، كان الحاج مفتاح ـ الفرّاش بالمدرسة نفسها صباحاً ـ أكثرَهم حيويّة وسلاسة ، ولم يخلُ أسلوبه من دهاء ؛ فهو يخلط في الظهيرة المقاعدَ ، مدندناً ( قروة عقاب العمر موش قراية تكمل الحصة كلها سهراية) لكي يستمتع بما سيدور بين الشيوخ من شجار حولها في المساء ، والحاج إبراهيم الخضّار الذي كان يبادر دائما ـ وقبل أن ينهي الأستاذ إحدى مسائل الحساب ـ بقوله مثلا :


ـ " خمسه وثلاثين خمسه وثلاثين ، هذي ما تبّيش فقيه ، ما اتنشفش ريقك يا اوستاد " .


وعبثا حاول الأستاذ أن يعلمه ترتيب خطوات المسألة الحسابيّة ، أو استعمال القلم أو الطباشير أو النظر إلى السبّورة أثناءَ الإجابة كلما أوقفه أمامها .


ثم الحاج يادم الذي ظلّ طيلة الدورة التعليمية يضطر إلى التردّد المستمر على دورة المياه ، بسبب السُّكريّ ، ولطالما تكرّر قوله :


ـ " أرجاني شوي يا عليوه نين انطق في بيت الراحة ونجيك ونقول لك " ثم بعد وقت يدخل الفصلَ وهويمسح يديه بمنديله الأصفر ويقدِّم الإجابة في تأكيد و زهوٍّ ، ما يثير جلبة يشارك فيها الأستاذ علي أيضاً ، ويعتبرها الجميع محطّة استراحة من عناء الدروس .

بعد أن أنهى الأستاذ علي شغله في كتب التلاميذ ، وكان طوال ذلك الوقت يهمهم ويبتسم أو يكتفي بهز رأسه ، دون أن يشارك في الأحاديث الملغّمة بالمقالب ، وقد نجح في عدم الوقوع في مصيدة ( الحقوق) التي اخترعها خامس الشيوخ الحاج الساكت الذي يسمّونه النّاكت ؛ تلك المصيدة التي كثيرا ما وقع في حبائلها سادسهم الحاج هارون ، نظرا لعصبيّته المفرطة ، التي كلّفته ـ مع العفو أحياناً ـ ثلاثة غداوات منذ انطلاق الدورة ، كان آخرها غداءُ أيام قريبة انطلقوا بعد الإتيان عليه إلى المدرسة معاً هم وأستاذهم ، وقصة الغداء هي أنّ الحاج هارون قدّمَ في حصة الحساب قائمة بأرقام طالباً من الأستاذ حاصل جمعها بالضبط ولم تكن تلك القائمة سوى أسعار خضروات الغداء المعلوم التي اشتراها من دكان الحاج إبراهيم ذلك الصباح .

استأذن الأستاذ علي بعد ذلك ، واكتفى بقوله " يعني " ردّاً على اقتراح الحاج مفتاح بأنْ تكون الأسماء والرسومات في كتاب المطالعة لشيوخ وعجائز بدل أطفال ، وطلب الأستاذ من هذا الأخير أن يوزّع الدفاتر عليهم وخرج .

لكنّ الأستاذ ، بعد خلوِّ المدرسة وسكونها ، فوجئ َ وهو يهمُّ بإقفال الباب بالحاج هارون مقبلاً نحوه فبادره بالقول :


ـ " ها ياسي هارون ، لاباس " . فأجاب الحاج هارون :

ـ " لا ، غير أنت فيه كتاب عطيت منّه الجماعة ونا ما حسبتنش فيه " .

فرفع الأستاذ حاجبيه متسائلا : " كتاب ؟ " .

فقال الحاج " آ...ء كتاب " . فاكتفى الأستاذ بهزّ رأسه سلباً ، فصاح الحاج

ـ " أيّ يِهْ !! كتاب أزرق أملس طوييييل " ، فسأله الأستاذ :

ـ " وانت وين ريته وين ؟ " ، فنتر الحاج هارون جسده وصاح أعلى أكثر:

ـ " انت كنك اتحقق امعاي ؟ امكذّبني ولاّ ايش ؟ ، راني انبيت عليك حق

وتصاعد بينهما جدال ، قرقعت أثناءه سلسلة الحديد بشباك الباب ، لم يسمح للأستاذ أن يتذكّر أنّ الكتاب ما هو إلاّ سجِلّ الغياب والحضور، تأبّطه الحاج الساكت عفواً .... أو قصداً .

الأربعاء، يونيو 02، 2010

بير عز



لم يكن صباحاً ذلك الوقت الذي وقفت فيه الحاجة مليحة ، مستندة إلى السور المنخفض، الذي رمّمه المرحوم زوجها بالطين حمايةً للتنور وشجرة التوت ، قدام البيت الإيطالي الضخم الجاثم مهيباً على التلة ، في الجهة العليا من القلعة التي هي قريتنا، ذي السقف العالي المنسجم مع قمة الصنوبرة الهرمة المائلة لتخفي الجزء الأكبر من نافذته الكبيرة، التي لو دعمت بدرجة أو درجتين أسفلها لكانت باباً.


البيت الذي كان سجناً أيام الطليان كما يروي شيوخ القرية، العالي السقف علواً لو استغل أفقياً لازداد عدد حجراته، كما هو تعليق الحاجة مليحة المتأسف في كل مناسبة يضيق فيها البيت ـ أو تضيق هي ـ بالضيوف.

لم يكن صباحاً ذلك الوقت إذن، وإلا لكانت الحاجة مليحة تشق الدرب الأحمر النحيل ـ الذي يقسم الوادي الذي يقسم القرية حيين ـ بأنفاس أعلى تلوح حيناً وتتوارى بين جداري السنابل والخبّيز راجعة من الحظائر، حاملة فوق رأسها سطل حليب طازج، مقطعةً دندنتها بكلماتٍ منفلتة من حوار داخلي، وأساورها في ذراعيها ترنـّن كلما ناوبت بينهما في حمل ما تحمل.

ولم يكن قيلولة، حتى تكون في الشباك الخلفي العالي تصيح مرة واحدة، مثلما في كل قيلولة كل يوم:

(يا مسعوآد)، الذي تعرف أنه لن يكون إلا مع أقرانه، وقد انهمك في جمع خنافس "بودرنـّه" من تحت أرواث البقر الذي ألجأه "بوطقـوق" إلى ظلال دار "الماتوري"، ولهبّ تاركاً ما جمع من أغنام لعبته تلك، وقد مسه انزعاج من ذلك الصوت الجبروتي، الذي صدر على إثره في ثلاثةٍ أو أربعة من بيوت القرية عن الآوين في رطوبتها من أصحاب الدكاكين الهاجعين هجيراً، كم تعليقاً ساخراً أو متبرماً من العجوز الشمطاء، التي لا تقيل ولا تدع أحداً يقيل.

كما لم يكن عصراً ذلك الوقت، حتى تكون العجوز مليحة واقفة تصيح ـ بلا شك مثل عصر كل يوم ـ منادية على ابنها بـ (يا مسعوآد). مضيفة هذه الألف الممدودة لدعم الموجات الهوائية لتنقل إلى الولد حيثما يكون من القلعة ـ في أحد أبراجها أو إحدى حجرات الحراسة أو في مخبأ من المخابئ أو متزحلقاً على صفيحة على أحد الأسيجة الخفيضة المنحدرة ـ رغبتها الملحة في أن يكون ماثلاً في التوّ بين يديها، المتدلي من إحداها قفـّة أو برميل، أو ديك مذعور يصيح بعد صياحها، أو تصيح بعد صياحه، داهمته في "البونيـّه"، لكي يذبحه ذكر البيت الوحيد بعد المرحوم، أو يحمله للسوق.

إنما كان غروباً ذلك الوقت، ذلك الوقت الذي وقفت فيه العجوز مليحة، وهي تنعب نعيباً ـ ولا تصيح ـ أو تخور خواراً مثل بقرة تشممت دماء عجلها (يا عـ آآآآز)، ثم تتبع ذلك بتمتمات مسموعة وأدعية واستفهامات مفجوعة عن اختفاء ابنتها حتى ذلك الوقت المريب، (ياعـآآآز)، وحيث أن هذا الاسم يقيّد حنجرتها الملعلعة دون تمديده أو تفخيمه، فقد كانت تضيف (يا بنيّة هيه، يا هييييييه ! روّحي عطك ادعوه، روّحي راكي نشفت ريقي الله اينشف ريقك)، فيما عيناها ترصدان زاوية الباب الصغير للقلعة حيث البئر.

لكنّ عزّ لم تلح وهي تنوء بحمل سطل من الماء يندلق على ساقيها مع كل خطوة من خطواتها المتعثرة في الأحجار النابتة، أو تقف بعد كل مسافة لترفع طرف ردائها الذي سقط فانغمس في مائه البارد، وحينا آخر ترصدان باباً من أبواب الجيران قد يصر صريرا طويلاً تتبعه كركرات عز والبنات.

طال صياح العجوز وتعرض صوتها المبحوح، ثم وهن ووهن ووهن، فانغمس شيئاً فشيئاً في الهمس، إذ كان قلبها قد انتشر وراء فلذته في الجهات، ممتزجاً بغبار غروب تذرذره أجنحة أوّل طيور الليل فوق أسطح البيوت القديمة، وقرص الشمس المحمرّ يتقسم مربعات فمربعات خلل شريط الكوى على طول الجزء الغربي من سور القلعة، ثم صارت تلوح خيالات قامات في الظلام، تتدلى بمحاذاتها فنارات واهنة الضياء حزينته، كأحداق الكائنات الليلية، وتتسرب وتضطرب وتحتشد وتتفرق في أنحاء من أزقة وزوايا القلعة الإيطالية الطلل.

الاثنين، مايو 31، 2010

جولاطي




الصيف


جفّف طحلبَ الأسطح


جنـّحَ الشبابيك


وقال للبطيخ كنْ


ومثلَ كلّ مرةً
أوّلَ مرة ٍ


زوبعة ً


تطلع من حنجرةِ البوقِ العربة ُ الثلاجة


ويطلع البائعُ من ندائه :


جولاطي!


جولاطي!


جولاطي !

الأحد، مايو 16، 2010

ماريليانو



على هضبة الرجمة ـ تلك التي كوّمها بكفيه العملاق أبو زيد الهلالي* ليشرف من فوقها على سهل برقة؛ ليرى بعينه الناجية من شظايا عظام غولة اعترضت طريقه فقضى عليها وأحرقها ـ حشرت ملايين الأحجار، المشوبة بحمرة الطين وخضرة الطحالب، بأحجام وأشكال مختلفة، أكواماً أكواما، لبناء سور قلعة الرجمة خريف عام 1923م .*


كاد ماريليانو، وهو يستلم آخر أحجار شغل ذلك اليوم من أيادي الليبيين المسّخرين، أن يظل، في زيّه العسكريّ دجاجة بيضاء، لا حزن ولا فرح، آلة َ هذر وبناء، كما أُريد له و منه أن يكون، ومن آلاف ٍ غيره يومَ ضُمّ إلى سريّة الشئون الإدارية، بكتيبة المدفعية الثالثة والعشرين، في الجيش الإيطالي الذي توالى منذ عام 1911م غازياً ليبيا .


- ( عجباً ! هل رأيتك أيتها الحجرة من قبل ؟ ) . كان ماريليانو يحدّث الحجارة وهو يشتغل.ـ ( هنا في بداية البناء ؟، أم هناك في مزرعتنا ؟، المقادير تسوق حتى الحجر، لماذا أنت بالذات ؟ هذا العبث ليس عبثا )، يفرش لها ملءَ ملعقة اسمنتا


( كوني هنا، لو كنت إنساناً لتمرّدتِ، بل لتألمت، كم في طاعة الحجر من عصيان! ).


وبينما هو يستلم الحجرة التالية يسمع بوق نهاية الدّوام المسائي، تركها تقع على الأرض، و ضع إصبعيه في أذنيه، وأخذ يشير إلى معاونه بعينيه وحاجبيه، حتى هز الرجل رأسه بالإيجاب، فأخرج ماريليانو إصبعيه وقال :


ـ ( إذن فقد نفخ الشيطان الرجيم في بوقه، يا له من منشار يمزّق أضلعي ) .ثم عاد والتقط الحجرة، و وجّه كلماته إلى كل العمال:(ولكنكم تحبّونه أيها الملاعين، "فينيتو"، انصرفوا إلى بيوتكم وأولادكم، ألم تسمعوا موسيقى الجحيم؟).


وعاد إلى حديثه مع الحجارة ( وأنت أيتها الملساء !)، ودوّرها بين كفيه، ليجد جانباً مستوياً يقرّها به في البناء ( لا تعجبي، في كون واحد يمكن أن يلتقي كفـّا رجل من بطن امرأة إيطالية، مع حجرة من بطن أرض ليبيّة، من المحتمل أن يصبح قلبي، نعم قلبي هذا، عنصراً في براز ضبع ليبيّ) .انتبه لوجود بزّاق لاصق بالحجرة :


ـ ( أيها اللعين، بأيّ أمر جِئَ بك إلى هنا أنت الآخر ؟ ألم تكن في البحر يا مسكين ؟).


حاول اقتلاعه بظفره، فوقع في بقية خلطة الأسمنت، فغرفه ضمنها :


ـ ( يبدو أنك لا تريد أن تنجو، أم أنك سئمت القوقعة وتطمح في بيت إسمنتي ؟ ) .


قاوم رغبة في استخراج البزّاق وقذف بالملعقة آخر الإسمنت.


ـ ( خذ، لك الأسمنت؛ و لي البذلة العسكريّة) .


رمى الملعقة بقوّة جانباً، وخبط كفيّه ببعضهما، ثم انتصب متأوّهاً و انحنى إلى الوراء ضاغطاً بيديه على ظهره، ثم أرسل نظره إلى أكوام الحجر الساكنة؛ إلاّ من صفيرِ ريحٍ خفيف فيه برودة جافة لاسعة حول الأكوام، يثير زويبعات ضعيفة في الخشاش اليابس:


ـ ( وأنتم، ابقوا هنا حتى الصباح، إيّاكم أن تتحركوا، هل سمعتم ؟، إيّاكم أن تهربوا، إنها أوامري أنا، أنا " الدّوتشي" هنا، أضعكم أينما أريد وأنساكم، وينساكم الزمن في هذا السّور الطويل العريض، " آرّيفاديرتشي ") .


واستدار متجهاً صوب المبيت، بعد أن لملم عدّته في كيس دلاّه من فوق كتفه.


كان المكان قد سكن، حيث آب كلُّ الجنود والعمال، إلا من خفقة أو خفقتين من أجنحة طيور عبرت فوق رأسه إلى أوكارها، أو اضطراب خفّاش يسابق نفسه، أو رتل قطيع من بقر هناك خلفه، يتقدّم ببطءٍ على شاشة الغسق، مثيرا غباراً نحاسياً بين أرجله النحيلة، في دربه في آخر الأصيل، وفي طريقه انحنى على عصا، و أخذ وهو يصفـّر يضرب بها الهشيم الذهبي لشجيرات "القـُوس" الشوكية، وكويمات تراب الخَلْد البنية، وفجأة وقف، لقد انتبه، لقد تذكر أنه لأول مرة ـ منذ وصل إلى هذه الأرض الغريبة ـ قد نسي كل شيء، أحس بأن قلبه قد ثقل وتضخم مثل هضبة، ها هو الحزن ـ الذي كان يغالبه بهذره وعمله المتواصلين ـ يتسرب إلى قلبه على حين غفلة منه، كان لا بدّ منها، وأدرك في لحظة ـ المسافة بمائها و يابستها بينه وبين قريته، التي مدّت في مخيّلته دروبها إلى عينيه، مثل كلّ مرة كان يرجع إليها في الأصيل من حقله البعيد، البعيد.وتناهى إلى سمعه صوتٌ شجيّ وإن كان جهوريّا، من جهة المبيت " تي ررا، ري ررا، عمري وكلُّ ثوانيه لي، ررا؛ وذات مرّة أذكر أنني نسيت ! ررا )، وقد عرفه، إنه صوت "بيانكو" المهذار، الذي حزنه لا يتجاوز حنجرته، لا شكّ راجع من الخلاء مغنياً، كعادته كلما قضى حاجته، ولقد عرف الأغنية أيضاً، إنها تلك الأغنية الشعبية التي كم سمعها في المذياع، دون أن يهتم بها، وها هي تتخذ في روحه معانيها التي ألفها رجل مجهول؛ تفرّقت عظامه منذ زمن طويل.


اقترب من المبنى، كان القمر برتقالة ضخمة فوق الهضبة الأخرى، تلفّت حوله، وتنحنح ليخفي ما يعانيه، ودلف إلى الحجرة، كان رفاق "ماريليانيو" يهذرون متحلّقين طاولة خشبية عرجاء، عليها خريطة كبيرة تدلّت حوافها على الجانبين، يتصايحون وبين الحين والحين تصدر عنهم قهقهة عالية، حيّاهم بحنق كأنما يسبّهم، " بونا سيْرا"، لكنهم لم ينتبهوا لدخوله، وجد ذلك مريحا بالنسبة له، اتّجه إلى سريره في الركن، كان حزيناً ومغموماً حتى فَـَقـْدِ كتلتِه، لم يقو على خلع حذائه الجاف الأشهب؛ بيديه المتورمتين المتشققتين، وكان من عادته ـ دون أن يعي ـ إذا فقد السيطرة على حزنه أن يغفو، فانطرح على سريره .


ـ ( ليبيا جنوب إيطاليا ) قال بيترو، الذي يتوسط المجموعة ويتحدث مستعيناً بالخريطة ( بيننا وبينها بحر)، فقال ماريليانو بينه وبين نفسه تحت الغطاء :


ـ ( هذا مبرر كافٍ لمجيئنا إليها ) .


ـ ( وهذه مالطا ) أضاف بيترو، واضعاً سبّابته على نقطة في الخريطة :


ـ ( انظروا كم هي صغيرة، و وسط الماء ) .


ـ (يقال أن للمالطيين أثرَ خياشيم في جيوبهم الأنفية ) كذلك قال بيانكو الذي عبر إلى غرفة أخرى حاملاً بيده إناءً، علت قهقهة من المجموعة، وابتسم ماريليانو في ذهنه .


ـ ( دعنا من مالطا ) قال برونتي وقد أدنى وجهه من الخريطة وراح يتمتم :


ـ ( أين... ؟ أين... ؟ أين.... ؟ ).


ـ (عمّا تبحث ؟ ) سأله بيترو .


ـ ( أين كونفرسانو على هذه الورقة المهترئة ؟ ) أوضح برونتي، فاصطنع بيترو ضحكة وقال :


ـ ( كونفرسانو؟، كونـ فر سانو غير مهمّة حتى ترسم على خريطة، ولكنها تقريباً ... هنا ) .


ـ ( بل هنا ) ردّ برونتي عالياً وهو يضع يده على أيسر صدره.


ـ ( أما هذه فنابولي، ناااااااااابولي ) صاح بيترو وقبّل نقطة على الخريطة ثم أضاف :


ـ ( الخريطة قصيدة الغرباء، تميمة المغتربين، تعويذة من الحنين، إني كلما داهمني الحنين أتأمل في الخريطة، أعلم أين أنا وأين مدينتي ) .


ـ ( أما أنا فلا أفضل أن أحمل شيئاً يذكرني بما أفقده، حتى الرسائل لم أقرأها، أما الصور فأطعمتها النار) قال برونتي بصوت متهدّج.


ـ ( من الأفضل أن لا يحمل المرءُ حتى رأسه في الغربة ) تمتم ماريليانو بين النوم وبين اليقظة .


ردّ بيترو :


ـ ( كم أنت قاسٍ يا برونتي).


ـ ( بالعكس ) صاح برونتي ( بل أنت. وعسكريٌّ أيضاً أنت يا بيترو ) .


أجاب بيترو :


ـ ( شيءٌ خير من لاشيء يا صديقي برونتي ) .


ـ ( العشاء أفضل من كلِّ شيء ) صاح بيانكو الذي دخل عليهم بصحاف العشاء ( هيّا أيها البهائم، أجنودٌ وشعراء ؟ ) .


ثم نظر إلى حيث سرير مارليانو :


ـ ( ماريليانو !، العلف أيها الرومانتيكيّ ) .


هبّ الجميع واندلقت الخريطة، وقرقعت الكراسي، واتخذ كلٌ مكانه إلى المائدة، وكان ماريليانو قد نام عن الصمت الذي ساد، وتخلله حيناً بعض الهمهمات، أو رنين الملاعق في الآنية، وأنينٌ بدأ يغلظ ـ للريح التي أخذت في الارتفاع ـ في أضلع باب الحجرة .


نام يحلم بنفسه بملامح ابنه الصغير؛ مرتدياً ثوب طفل ليبيّ طويلاً مخطّطاً ــ كان قد رآه الأيام السابقة وراء أسلاك المعتقل، ينظر إليه وقد ارتسمت على فمه ذاتُ ابتسامتِه ــ وعلى جبهته قد لصق بزاق .


في الصباح كانت ظُلّة حمراء منفوثة من أرض القلعة تتمدد فوق الرجمة، كانت النساء في الشرفات والشبابيك، والشيوخ في ظلال المباني أو حول الجرّافة، ينظرون بإعجابٍ يضيء وجوهَهم إلى سائقها الأعور المأخوذ بنطاحها للسّور المزدوج الأصم، ويهللون مع كل هدير لأحجار القلعة المتهاوية، والأطفال يجرون متصايحين وراء جمجمة يجرّها أحدهم بسلك معدنيّ، وكان هناك قليل من الشباب، وفي العشية سالت أودية حمراء نحيلة جفّتْ؛ قبل أن تصل إلى المباني الجديدة أسفل القلعة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أسطورة خلق الرجمة في الرجمة على الأقل.

* 1923 تاريخ تركه أحدُهم على لطخة أسمنتية على جدارالباب الكبير الشرقي للقلعة.

* نشرت القصة مطلع التسعينيات بصحيفة النهر الصادرة عن المهرجان.

المشاركات الشائعة