الثلاثاء، أغسطس 14، 2012

دجاج محمّر




تجمّع عدد كبير من أهل القرية في أول السوق ، يراقبون مصطفى سالم و آخرين يعالجون ذلك الصندوق الفولاذي اللمّاع الشبيه بخزانة مكتب المدير ، الذي كان قليل منهم يعرفون أنه شوّاية دجاج ، وبعضهم قد عرف بعد أن أجاب بعض العارفين بلغة من الضيق والمنّة ، على أسئلة فضوليين ، ظلّوا في تقاطرهم . تواترت الأسئلة وتنقلت الإجابات من هذا إلى ذاك :
ـ تي شني ها البصيرة ؟ .
ـ شوّايهْ ، شواية دجاج .
ـ أيش دوّةْ ها الدولاب ؟ .
ـ أيّنْ دولاب يا راجل ؟ ، هذي شوّاية دجاج محمّر .
ـ ها الدعوة ايسمه ؟.
ـ قالوا شوّاية دجاج ...
لكن مصطفى سالم الذي أحنقه انحشار مستطيل الشوّاية في مربّع السيارة ، علاوة على عدم نجدة الفضوليين له ، انتفض منتصبا ومختصرا وقاطع أحدهم ، موجّها كلامه للجميع (تي هيا كل حد يعدّي يشوف شغله سبحان الله العظيم ، من صبح ربي هذي شني هذي شني هذي شني ، ما قلنالكم ميّة مرة شوّاية ، آءْ شوّاية !! اما لا بقـّاري ! هَيْ توكلوا علي ربكم) ، فانفض التجمّع بتثاقل وتعليقات ، ولم يبق إلا بعض الأطفال ، على بعد خطى في حذر من مصطفى .
ومصطفى سالم هذا شابٌّ ينتسب إلى قبيلة القرية، إلا أنه عاش طفولته وأول شبابه في المدينة إلى أن توفى والده الذي كان عاملا في المينا ، فعاد مع أمّه وأخواته ليكونوا قرب ذويهم في القرية .
 لم يصدق أحد من الشباب ـ كما لم يصدق مصطفى نفسُه ـ أن هذا الشاب سيستطيع العيش فيها ، لكن مصطفى بعد مناسبات ومحاولات للعودة إلى المدينة رضي بزيارتها كلَّ خميس ، ثم مع الأيام ألف القرية ، وانسجم مع أناس تجري في عروقهم نفس الدماء الجارية في عروقه ، ولم يبق من ابن المدينة ذاك إلا تلك المفاجآت التي يطالعنا بها كل رمضان ، دون أن يعي أنه بذلك إنما يطفئ حنينه إلى ذكريات المدينة .
من تلك المفاجآت الرمضانية جلبه لصندوق لعبة "الجتــّوني" ، ثم في موسم آخر أقام كشكاً لبيع "السفنز والزلابيا" ،ولكل حكاية من هذه الحكايات حكاية ، وفي رمضان موضوع حكايتنا جلب شوّاية الدجاج هذه .

بعد العصر ، حين دارت الدواليب بصفوف الدجاجات دوراتها  الأولى فوق ألسنة اللهب ، كان خبر وصول الشواية يدور أحاديث أحاديث على كل لسان في كل القرية ، ففي المسجد أثناء درس الوعظ ـ وردّا على سؤال من صبي الحلاق جار دكانه للمجزرة (شمُّ دخان الدجاج المحمّر يفطّرْ ولاّ لا ؟) ، كان الواعظ محمرّ الأوداج ، رغم محاولته أن يبدو ساخرا ، يتناول أمر هذه الآلة الغريبة الجهنمية التي هي مدعاة للترف والبذخ ، وإفساد صيام الفتية بإثارة شهوة بطونهم ومتى ؟ ، في أول يوم من أيام شهر الكفّ عن الشهوات ، ونصح الحلقة بأن يبادروا بتهوية بيوتهم ، وأن يجتنبوا ما استطاعوا اعتراض سحابة دخان الشيّ أما من اضطر فليتخذ كمامة ، وقد فهم الموعوظون بنحو ما أن هذا الدجاج ـ الذي لا علم لهم بمصدره أو كيف تم ذبحه ـ به شبهة حرمة شمه والنظر إليه فضلاً عن شرائه وأكله .

وفي السوق ـ على المصطبات المستطيلة ـ كان الكهول والشيوخ ـ بأنوف تتشمم دخان الشوّاية الشهيّ ، وبأعين تقتطف خطفا مشهد الدجاج المتقاطر دهنا كلعاب بعضهم ـ يضربون كفّا بكف صائحين بعبارات صفراء وبرتقالية وحمراء في شأن الدجاج المحمر :
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ، خسارة يا بوادي.
ـ والله هذا آخر زمان صحيح ، دجاج محمّر ؟ عشنا وشفنا .
ـ توّْ اصطوفة المهبول حاطّ في عقله إنّا نريدوا نشروا منّهْ ها المرطزة ؟.
ـ الله يرحمك يا حاج سالم ، ما من عصَرْ فيك ، صدق اللي قال الجمل ما يخلّفْ إلا البعر.
أما في البيوت فقد وجدت النساء ما يعينهنّ على أداء واجب يوميّ رمضاني ثقيل ، فكدن ـ من شدّة الشغف والابتهاج بهذا الخبر ـ أن يقطّعن أصابعهن على سُفر الخضروات ، كما تمنّى بعضهن لو يُعفَين من إعداد الإفطار أحياناً ، بأن يشتري لهنّ الرجال عددا من الدجاجات المحمّرات الجاهزات ، بل لقد خفت العجائز والقواعد من النساء  في رطوبة الحجرات الجوّانية ، يلملمن أرديتهن ويعالجن محارمهن في انحناء ودبيب ، كمخلوقات موسمية داهمها المطر ، ورحن يطلقن الصيحات والأدعية على مصطفى بجاه غرّة الشهر أن لا يربحه الله وأن يشويه في جهنم شيّاً ، وهن ينقلن ـ كما تنقل القطط جراءَها ـ حظائرَ الدجاج قرب الجدران ، ويحرضن الصغار على  القبض على الديوك المذعورة قبل أن تغرب الشمس ، ويغرينهم بالبيض أو الحلوى أو بأرباع الجنيهات المعطرة بالقرنفل.

عند الغروب ورغم روائح الأطعمة الرمضانية ، فاحتْ رائحة دجاجات  مصطفى سالم المحمّرة بامتياز ، وإن لم ينقص منها واحدة ، ولم يستطع صمت القرية المتأهبُ أهلها للإفطار أن يكتم زقزقةَ دولاب الشواية وهو يحتكّ بجوانبها ، وكان مصطفى سالم قد دنى من الشوّاية ليصطلي بدفئها ، وقطط القرية على أسطح البيوت وحوافّ الطرقات وعلى مظلة الدكان وتحت الشوّاية عند أقدام مصطفى تتمسّح بساقيه ، محدّقة كلُّها بأعينها على ألوانها ، حينا في الدجاجات وحينا في عينيه ، وتملأ أذنيه بمواءٍ شهوانيّ ، أغرق قلبه في حزن وشفقة على العالم الجائع .

الاثنين، فبراير 14، 2011

عن العش 1




إنه لمن الأمور المثيرة للدهشة أنه ـ حتى في بيوتنا التي يغمرها الضوء ـ يستدعي وعينا بهناءة البيت مقارنةًً بالحيوانات في مآويها . نجد مثالاً على ذلك بالسطور التالية التي كتبها الرسام فلامنك عندما كان يعيش حياة هادئة في الريف : " السعادة التي أشعر بها وأنا جالس أمام النار ، بينما تهدر العاصفة غاضبة في الخارج هي هناءة حيوانية خالصة ، فالفأر في جحره ، والأرنب في وجاره ، والأبقار في الإسطبل ، تشعر دون شك بالرضى ذاته الذي أشعر به " .

وفي عالم الجمادات نضفي دلالة غير اعتيادية على الأعشاش . نريدها أن تكون كاملة ، وأن تكون علاقة غريزة مؤكدة ، ونحن نعجب لهذه الغريزة ، ونعتبر العش إحدى عجائب الحياة الحيوانية . ونجد هذا الادعاء بكون العش كاملاً في أحد أعمال امبرواز باري ، إذ يقول :
" إن الحذق الذي تبني به الطيور أعشاشها يبلغ حد الكفاءة الكاملة . إنها بهذا تتفوق على جميع البنائين والنجارين والمعماريين ، إذ لا يوجد رجل واحد قادر على بناء بيت له ولأطفاله أكثر ملاءمة من العش . يصدق هذا إلى درجة أن المثل يقول : " الإنسان قادر على صنع كل شيء عدا عش الطائر " . ولكن الحقيقة العلمية تخفف من هذا الحماس . مثال ذلك كتاب آرثر لاندربور توماس (العصافير) الذي يقول لنا فيه أن كثيراً من العصافير ما يكاد يبدأ بناؤها للعش حتى تفسده بخرق . " عندما يعشش النسر الذهبي في شجرة ، يجمع في بعض الأحيان كومة كبيرة من الأغصان يضيف إليها في كل سنة المزيد ، إلى أن يأتي يوم يسقط العش متناثراً بسبب ثقله "

تابعنا تاريخ علم الطيور ، ولكن هذا ليس موضوعنا . دعونا نلاحظ عابرين أننا هنا أمام حوار حول القيم وهو يشوه كثيراً من الحقائق بالنسبة للطرفين المتحاورين . من يدرينا بأن سقوط عش النسر لا يمنح الكاتب متعة صغيرة لكون الكاتب بحكايته هذه قد حطم معتقداً شائعاً " .


من ناحية موضوعية لا شيء يثير السخرية مثل الصور التي تنسب صفات إنسانية للعش . لا شك أن العش بالنسبة للطائر هو بيت جيد ودافئ ، ويحمي حياة الطائر حين يخرج من البيضة ، إنه يعوضه عن الزغب ـ إذ يخرج من البيضة عارياً ـ إلى أن ينبت له زغب . ولكن ما الذي يدعونا إلى التعجل وبناء صورة إنسانية ، معدة للاستعمال الإنساني ، من شيء تافه كهذا ؟ . إن الطبيعة المضحكة لهذه الصورة تبدو واضحة إذا ما قورن (العش الصغير) المريح الدافئ الذي يعد به العاشقون بعضهم بعضاً ، بالعش الحقيقي التائه بين الأغصان . الحب بين العصافير هو علاقة خارج العش ، إذ لا يبنى العش إلا فيما بعد حين تنتهي المطاردة الجنونية عبر الحقول . لو أردنا أن نتأمل هذا كله ونخرج منه بدرس لبني الإنسان ، فإن علينا أن نستنبط جدلية بين حب الغابة والحب في حجرة في المدينة . ولكن هذا ليس مدار بحثنا . إن كاتباً مثل أندريه توبرو فقط هو الذي يمكن أن يقارن العِليّة بالعش ويلحق بهذه المقارنة التعليق التالي الوحيد " ألم تحب الأحلامُ أن تحط عالياً " ، وباختصار ، فإن صورة العش في الأدب هي صورة طفولية بشكل عام .
ولهذا فإن العش المعاش هو صورة فقيرة ابتداء . ولكنها تمتلك بعض السمات الأولية التي يمكن اكتشافها بالنسبة للظاهراتي الذي يحب المسائل البسيطة .


كم مرة في حديقتي عانيت خيبة الأمل في العثور على عش بعد فوات الأوان . والوقت خريف وقد بدأت أوراق الشجر تتساقط وفي مكان التقاء غصنين أرى عشاً مهجوراً. وحينئذ أتصورهم كلهم هناك : العصفور الأب والعصفورة الأم والكتاكيت ، وأنا لم أرهم بعد .
العش الفارغ الذي يتم العثور عليه في الغابة وقت الشتاء يسخر ممن عثر عليه .
فالعش مكان اختفاء كائنات مجنحة. كيف حدث وظل غير مكتشف؟ ، كان في الأعلى ، ولكنه بعيد عن أماكن الاختفاء الأرضية الأكثر صلاحية للاختفاء . ولكن ، نظراً لأننا حتى نحدد ظلال الوجود في الصورة ، فعلينا أن نضيف إليها انطباعات فائقة . فهاهي خرافة تدفع تخيل العش الخفي إلى أقصى حدوده ، وهي مأخوذة من كتاب شاربونيه لاسيه الممتاز " قيامة المسيح" :( كان الناس يعتقدون أن طائر الهدهد يستطيع الاختفاء عن أنظار كل كائن حي ، وهذا يفسر الحقيقة التي تشير أنه في أواخر القرون الوسطى ظل الناس يعتقدون بوجود عشبة عطرية متعددة الألوان في عش الهدهد والتي يستطيع من يمتلكها أن يختفي عن الأنظار)

قد تكون هذه العشبة هي "عشبة إيفان جول المعطرة" .
ولكن أحلامنا هذه الأيام لا تجنح إلى هذا المدى ، فالعش المهجور لا يحتوي على عشبة الاختفاء السحرية . والحقيقة أن العش الذي نجذبه من الحاجز كزهرة ميتة ليس أكثر من "شيء" . يحق لي أن أمسكه بيدي وأفتته. عندما يكون مزاجي سوداوياً أصبح مرة أخرى إنسان الحقول والأحراش ، ويصيبني بعض الغرور حين أنقل معرفتي إلى طفل ، فأقول له : "هذا عش طائر القرقف" .
وهكذا يدرج العش القديم في خانة الأشياء . وكلما تنوعت الأشياء أصبح المفهوم (concept) أكثر بساطة . ولكن كلما نمت مجموعتنا من الأعشاش يظل خيالنا كسولاً ، ونفقد صلتنا بالأعشاش الحية .
إلا أن العش الحي هو الذي يستطيع أن يقودنا إلى ظاهراتية العش الحقيقي ، العش الموجود في محيطه الطبيعي ، والذي يصبح ، للحظة ، مركز الكون كله ـ وهذا المصطلح ليس مبالغة ـ ودليلاً على موقف كوني . إنني أرفع الغصن برفق . في العش أجد عصفوراً راقداً . إنه لا يطير ، بل يرتعش قليلاً . فأرتَعش لأنني جعلته يرتعش . أخاف أن تكتشف العصفورة أنني إنسان ، ذاك الذي فقدت العصافير ثقتها به . أقف ساكناً ، أتنفس بهدوء مرة أخرى وأعيد الغصن إلى موضعه . سوف أعود غداً ، أما اليوم فأنا سعيد لأن العصافير قد بنت عشاً في حديقتي . وعندما أعود في اليوم التالي ، سائراً برفق أكثر من اليوم السابق ، أرى ثماني بيضات وردية اللون في العش ، لكم هي صغيرة ! .
هذا عش حي مسكون ! العش بيت الطائر . عرفت هذا منذ زمن طويل ، حكاه لي الناس لفترة طويلة . والواقع أنها قصة عتيقة إلى حد يجعلني أتردد في روايتها لنفسي . ورغم هذا ، فأنا مررت بهذه التجربة مرة أخرى للتو . إنني أستطيع أن أستعيد بوضوح تلك الأيام من حياتي التي عثرت فيها على عش حيّ . إن مثل هذه الذكريات الحقيقة نادرة في الحياة . وإنني لأفهم جيداً سطور توسونيه هذه المأخوذة من كتابه "دنيا العصافير" : (إن ذكرى اكتشاف أول عش عثرت عليه بنفسي ظلت محفورة في ذاكرتي بشكل أعمق من ذكرى أول جائزة حصلت عليها في مدرسة النحو على النص اللاتيني . كان عش طائر غرِد جميل وكان فيه أربع بيضات وردية تتخللها خطوط حمراء مثل تلك التي تتخلل خارطة الكرة الأرضية . استولى علي فرح لا يمكن وصفه إلى حد أنني ظللت واقفاً دون حراك لمدة ساعة ، أرقب . في ذلك اليوم وبطريق الصدفة ، اكتشفت مهنتي) .
أي نص جميل لأولئك الذي يبحثون دوماً عن الاهتمامات الأصيلة ! ولكون توسونيه استجاب منذ البداية ، بهذا القدر من "الانفعال" ، فهو يساعدنا على إدراك كونه قد نجح في دمج فلسفة فورييه الهارمونية بكليتها في حياته وعمله وأضاف أيضاً حياة خارطة ذات أبعاد كونية إلى حياة الطائر .
وفي الحياة العادية ، فالرجل الذي يعيش في منطقة الأحراش ، يكون العثور على عش ، بالنسبة له ، دوماً مصدر انفعال جديد . كتب عالم النبات فرناند ليكوين أنه بينما كان يسير يوماً هو وزوجته ماتيلدا رأى عش طائر غريد على شجرة زعرور سوداء : "ركعت ماتيلدا ومدت إصبعها ، وبالكاد لمست الطحلب الناعم ، ثم أبعدت إصبعها ، ولكنها أبقته مدوداً ..." فجأة أخذت ارتعش .. " " لقد اكتشفت للتو الدلالة الأنثوية ، لعش قائم فوق مفترق غصنين . واتخذ الحرش دلالة إنسانية جعلتني أصيح : لا تلمسيه ، أهم شيءٍ ، لا تلمسيه " .
إن انفعال توسونيه وارتعاش ليكونين يحملان علامة صدق . اخترتهما من قراءتي ، لأنه في مثل هذه الكتب نستمتع بدهشة (اكتشاف العش) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· غاستون باشلار . جماليات المكان . ترجمة غالب هلسا . الطبعة الثالثة . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . 1987م . ص 100 ـ 105.

الجمعة، فبراير 04، 2011

مقابلة خاصة مع ابن نوح•


جاء طوفان نوح !
.............

المدينة
تغرق شيئاً فشيئاً
تفرّ العصافير
والماء يعلو على درجات البيوت ـ الحوانيت ـ مبنى البريد ـ البنوك ـ التماثيل (أجدادنا الخالدين) ـ المعابد ـ أجولة القمح ـ مستشفيات الولادة ـ بوابة السجن ـ دار الولاية ـ أروقة الثكنات الحصينة .
العصافير تجلو
رويداً ..
رويداً ..
ويطفو الإوزّ على الماء
يطفو الأثاث
ولعبة طفلٍ
وشهقة أم حزينة
الصبايا يلوّحن فوق السطوح !
جاء طوفان نوح .
ها هم "الحكماء" يفرون نحو السفينة
المغنون ـ سائس خيل الأمير ـ المرابون ـ قاضي القضاة (.. ومملوكُه) ـ
حامل السيف ـ راقصة المعبد (ابتهجت عندما انتشلت شعرها المستعار) ـ جباة الضرائب ـ مستوردو شحنات السلاح ـ عشيق الأميرة في سمته الأنثوي الصبوح!
جاء طوفان نوح .
ها هم الجبناء يفرّون نحو السفينة .
بينما كنتُ ..
كان شباب المدينةْ
يلجمون جواد المياه الجموح
ينقلون المياه على الكتفين
ويستبقون الزمنْ
يبتنون سدود الحجارة ؛ علّهم ينقذون مهاد الصبا والحضارة
علهم ينقذون الوطن!
صاح بي سيد الفلك ـ قبل حلول السكينة : "انج من بلد .. لم تعد فيه روح !"
قلتُ :
طوبى لمن طعموا حبزه..
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهرَ يوم المحن !
ولنا المجد ـ نحن الذين وقفنا (وقد طمس الله أسماءنا)
نتحدى الدمار..
ونأوي إلى جبل لا يموت
(يسمونه الشعب !)
نأبى الفرار..
.......

كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد ـ الآن ـ فوق بقايا المدينة
وردة من عطن
هادئاً ..
بعد أن قال " لا " للسفينة
.. وأحبَّ الوطن ! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· أمل دنقل . الأعمال الشعرية الكاملة . دار العودة بيروت . مكتبة مدبولي القاهرة . 1995م

الأربعاء، فبراير 02، 2011

القاهرة في البال




حسن السوسي

خيالك لم يبرح الذاكرة
ومازلت في خاطري خاطرة
ورسمك ما فارق المقلتين
وذاتك في مهجتي حاضرة


*



مباركة أنت محروسة
بسرٍ براهينه ظاهره
وميمونة رَوَحات الملِمُّ
بشعب خصائصه نادرة
يعالج بالمرح المسترَقّ
ويأسو جراحاته الناغرة
وإن ضاق يوماً به موقف
يلوذ بنكتته السّاخرة
يروقكَ منه صفاء القلوب
وتغري بشاشته الزائرة

*

فإنك رغم توالي الدهور
تطلين فاتنة ساحرة
وإنك رغم عوادي الزمان
تظلين قادرة قاهرة
نحبك ساكنة كالغدير
ونهواك غاضبة ثائرة
فيا قلعة مايزال الزمان
يردد أمجادها الزاخرة
إذا كشّر الجِدّ عن نابهِ
فأنت المقطّبة الكاشرة
وإن لاين الدهرُ بعد الجِماح
فأنت المدللة الآمرة
يعود إلى حجمه كلّ من
تمدّد في غيْبة القاهرة
ويقصر كل طويل النجاد
خشوعاً لقامتك الظاهرة
وإنك مهما ادلهم الظلام
تظلي لنا النجمة الزاهرة
فيا عصمة العرب مهما نأوا
وموئل أمتنا الصابرة
تدور حواليك آمالنا
كما دار بالمحور الدائرة
*

لك الفخر في أوليات الزمان
بما لم تنل مثله فاخرة
بـ توت أنخ آمون في مجده
ورمسيس في الأعصر الغابرة
بناة الذي ما بنت مثله
بناء ... ولا حلمت حاضرة
وبالفاطميّ وما تسردين
له من مآثره الآسرة
وبالناصر الدين من سيفه
إلى ذي الفقار له آصرة
وبالموقفين زحوف التتار
فكنت لهم صفقة خاسرة
ودار ابن لقمان أدرى بمن
أتتها بحاجتها زائرة
تفدِّي أسيراً لها موثقاً
وتدفع عن يدها صاغرة
وبالعابرين على عزمةٍ
كعزم المهيّجة الكاسرة
وبالمرتجين لفك الحصار
عن القدس واللدّ والناصرة
يدور المقطّم من حولها
كنصف الحزام على الخاصرة
فكم معتد حام من حوله
فدارت على جيشه الدائرة


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديوان الجسور
الدار الجماهيرية
ط1 1998م

الأربعاء، يناير 26، 2011

عن البيت 2

غاستون باشلار*

إن الفلسفات الميتافيزيقية التي تذهب إلى أن الإنسان (قد القي به في العالم) عليها أن تتأمل بالتحديد البيت الملقى في العاصفة ، يتحدى غضب السماء ذاتها . وعلى الرغم من كل شيء فإن البيت يساعدنا على القول : سوف أكون من سكان هذا العالم ، رغماً عن العالم .

إن هذه المسألة ليست مسألة الوجود فقط ، ولكنها مسألة القوة ، وبالتالي مسألة القوة المضادة . في هذا الصراع الديناميكي بين البيوت والكون نستبعد الإشارة إلى الأشكال الهندسية البسيطة . إن هذا البيت المجرب ليس مجرد صندوق ساكن . فالمكان المسكون يتجاوز المكان الهندسي .

أحياناً ينمو البيت ويتمدد ، فتحتاج الحياة فيه إلى مرونة أكبر في أحلام اليقظة ، نحتاج إلى أحلام يقظة أقل وضوحاً وتحدداً . كتب جورج براسكي : " بيتي شفاف ولكنه ليس من زجاج . طبيعته اقرب إلى البخار . تتقلص جدرانه وتتمدد حسب هواي . أحياناً أجلبها إلى حتى تصبح مثل درع واقٍ ... ، وأحياناً أخرى أدع جدران بيتي تتفتح كزهرة وتأخذ مداها في المكان ، هذا المدى المتسع لما لا نهاية " . هذا البيت يتنفس . في البداية يكون درعاً ثم يتمدد إلى ما لانهاية وهذا يعني أننا نعيش في داخله الأمان والمغامرة بالتناوب . إنه زنزانة وعالم في نفس الوقت . هنا تم تجاوز الهندسة .




إذا كنا نحتفظ بعنصر الحلم في ذكرياتنا ، وإذا تخطينا مجرد تجمع ذكرياتنا ، فإن البيت الذي ضاع في ضباب الزمن سوف ينبثق مرة أخرى من جوف الظل ، ونحن لا نفعل شيئاً لإعادة تنظيمه ، فمن خلال الألفة يستعيد البيت هويته ، خلال صقل وعدم الحياة الداخلية ، .. إن ريلكه ..... يتحدث عن امتزاج الوجود بالبيت المفقود : " لم تقع عيناي على هذا المسكن الغريب مرة أخرى . والواقع أنني حين أراه الآن كما بدا لعيني كطفل ، فلا أراه بناء مشاداً ، بل يبدو مذاباً وموزعاً في داخلي : هنا حجرة ، هناك أخرى ، وهنا جزء من الممر الذي ـ على نحو ما ـ لا يصل بين الحجرتين ، ولكنه محفوظ في داخلي بشكل مجزأ . وهكذا فالبيت كله متناثر في داخلي ، الحجرات ، والسلالم التي تهبط ببطء جليل ، وغيرها ، أقفاص ضيقة كانت تصعد بحركة لولبية ، في الظلام الذي كنا نسير فيه كما يسير الدم في الشرايين" .




.. وفي رواية وليام جوين (بيت من نَفَس) يقول : "لكون البشر يأتون إلى هذا العالم في مكان لا يستطيعون في البداية أن يعرفوا حتى اسمه ، ولم يعرفوه من قبل ، ولأنهم في مكان مجهول لا اسم له ، يكبرون ويتحركون ، ثم يتعرفون المكان ويستدعونه بحب ويسمونه بيتاً ، وفيه يلقون جذورهم وإليه يتوجهون بحبهم ، وحين يبتعدون عنه يغنون حنينهم إليه ويكتبون عنه أشعار شوق ، وكأنهم عشاق" .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*جماليات المكان
* الصورة من موقع aljasad.net

الاثنين، يناير 24، 2011

نهاية




هـذا الصباح ، في المستشفَى في المدينة ، لفظ مؤذن مسجد القرية العتيق منذ خمسين سنة ، آخر أنفاسه عندما كان ضوء شمس الحادية عشرة لا ينسكب – بفضل السحب - عبر نافذة حجرته على سريره في بيته في القرية ، لو عاش لنصف ساعة أخرى ؛ حتى دخل عليه مرافقه النهارىّ من أبنائه ، لعلم منه أن الوادي قد قطع الطريق بين القرية والمدينة .

زحف كلُ أهل القرية إلى الحيّ القديم ، فكنت تراهم رجالاً ونساءً وأطفالاً ؛ يصّعدون مثل قطعان الماعز مجلِّلين الهضبة ؛ التي بللتها زخـّة شؤبوب عبرت الليلة البارحة .


لم يكن نبأ فاجعاً ، لكنه كان يبعث على درجة من التأثر ؛ كما لو أن الريفيين قاموا في الصباح الباكر فوجدوا صنوبرة ساحة الحيّ الهرمة نائمة على الطريق .

حتى قبيل الخمسين عاما كان هذا الميت ـ الذي كان مؤذناً شيخاً ـ فتىً عربيداً جوّالاً على كارّو يتنطق بشملة حمراء ؛ يغرس بينها وبين خصره من اليسار قنينة خمر ؛ وفي الجانب الأيمن خنجراً يشهره على بعض أصحاب الدكاكين والقصّابين ؛ آمراً هذا بأن يناوله كم علبة حلوى طحينية ، وذاك بأن يضع له هاتيك السقيطة ، وإلاّ أغمد خنجره في عين هذا أوفي كرش ذاك ، ثم يتوجه من هناك إلى القرية ، ويظل يرشف من قنينة الخمر تلك ، لكنه من منتصف المسافة ، بعد أن تعبث الخمر بحواسه الخمس يبدأ في صبّ لعناته على الحمار ؛ متهما إياه بأنه حمار حقا وخمران ، ويلهب مؤخرته بسوطه السودانيّ ليعود به من جديد إلى نقطة إنطلاقهما .

بعد رحيل كثير من الإيطاليين عن البلاد إثر هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية ، استردّ الفتى دكان جدّه في القرية أسفل القلعة ، الذي كان قد جعل منه تاجر إيطاليّ يدعى كاتالينو و زوجته اليهودية خمارة .

حدّثنا ذات عشية ، تحت ظلال المسجد ، حديثاً عصبياً متقطعاً أنه إذا كان لا يعرف ما الذي ظل يدفعه طوال مراهقته إلى التشرد والانحراف ، فإنه أيضاً لا يعرف ما الذي حلّ به ، وهو يمسح بنظراته ذلك الدكان المستعاد لأوّل مرة بعد سنوات ؛ لا يعرف كيف خطر له أن يحوّل تلك الخمارة المستردة إلى بيت لله ، وهو الذي لم يضع جبينه على الأرض منذ طفولته ؛ حين كان يحاكي والده أثناء صلاته .

مسجدٍ لأهل القرية البدو الذين تقاطروا إلى مباني القلعة التي هُجرت ، ليتخذوا منها كلها دون تفريق بين عنبر أو إسطبل أو كنيسة مآوي لهم ، والذين لم تجعل لهم تلك السنون السوداء من نصيب في الفقه في أمور الدين .


ـ نا أوّل واحد يذ ّن في هالقرية.

كان دائما يقول بفخر ثم يضيف بضحكة هازئة :


ـ والله يا جماعه ، وحق ربّ هالبيت ، في هالمنطقه ماكانوا عارفين فيش اندير وينما صبيت فوق سطاح الجامع وتميت نذن ، أوينما افطنت وبهتت لاوين عرب النقطه كلهم كبار وصغار وحتى الصبايا رافعين اعيونهم معاي ، ونلقاني ما عاد مسكت في روحي ، واخلطت آذان علي بكا ، وما نزلت مالسطاح زين ، نين جاني عمر هض ، هاللي توّ بعياله ، وقاللي يسلم عليك باتي ، وقالّكْ الله يرفع مقامك اللي رفعت صوت الحق في هالقريه ، وقالك راني هالموقف هض ريته في المنام ، وقالك لا اتحركش مالحوش راني جايك بعد العصر ).

ومنذ ذلك اليوم صار للمسجد مع المؤذن إمام ، ومع الأيام تطوع آخر بهدم جدار دكانه المجاور ليحوّله إلى توسعة للمسجد ، ثم شيئاً فشيئاً صار للمسجد روّاد ولجنة إشراف واسم رسميّ نقش على رخامة رصّعت جانب واجهته ، وإن ظل الناس يسمونه جامع محمد علي كريّم ، بعضهم معترفاً بفضل الرجل القائم ليلاً نهاراً على خدمة المسجد ، وبعضهم قادحاً في أسلوبه الحاد في معاملة المصلين وكأن المسجد بيته : فإلى أن عرفتْ القرية الحنفيات ظلّ هذا الإنسان بصبر وجلَد جمل ، ينقل كل وقت ، من الفجر إلى الفجر ، برميلىْ ماء (جرمانيين) يتدليان إلى جانبيه من عصا على كتفيه ، مثل كفتي ميزان ، وإلى أن وصلت الكهرباء إليها ظل يكبر ويشيخ خفية ، وهو يصعد ويهبط سلّماً حجرياً ؛صنعه بيديه ؛ إلى سطح المسجد لرفع الآذان ، ولكن لا أحد لم يره ؛ ولو مرة واحدة ؛ يطارد الأطفال المكركرين في المسجد قاذفاً وراءهم أحذية المصلين ، لاعناً آباءهم وأمهاتهم الذين لم يربّوهم ، أو قاطعاً تسبيحه أو تلاوته و مندفعاً إلى ( المواضي) ليعنف أحدهم على الإسراف في المياه ، أو عدم إحكام الحنفيات ، أو جاذباً آخر من عمامته إذا اقترب من ناقل الصوت لرفع الآذان .


بعد العصر بوقت غير قصير ، وكان قد رفع الآذانَ صوت آخرُ ، سألتني جدتي القاعدة في البيت :كيف لم يؤذن للعصر حتى الآن .

أما الليلة في السهرية ، فإني متأكد أنه سيروى ، في أكثر من حلقة دردشة ، أن الحاج محمد علي كريّم رحمه الله ، في أول يوم لناقل الصوت في المسجد ، نصحه ناظر المدرسة بأنه لم يعد هناك من داع لأن يتعب نفسه بالصعود إلى سطح المسجد ، فما عليه سوى نقر رأس الميكروفون و التصنت لوشوشته ، ثم يرفع الآذان ، وعندما فعل الشيخ ذلك وتصنت لم يسمع شيئاً فقال بتذمر : (خـرررررفي ياحليمه) ، لتسمعه القرية عبر مكبرات الصوت .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة من tajouri_sedi_abdassalam_zleetin

السبت، يناير 22، 2011

زوكربيرغ@ تونس...



مرح البقاعي*





" بن علي هرب .. تونس حرّة.. تونس حرّة ..الحرية للتوانسة...."


هكذا، في ليل 14 يناير 2010 من شارع بورقيبة الخالي في حينها إلا من ملاّلات الجيش الوطني تحرس الفراغ الذي خلّفه سقوط رأس السلطة المدوّي ، ارتفع صوت مواطن تونسي بالهتاف لحرية مواطنيه في تونس بعد أن انفكّت من قبضة الرئيس زين العابدين بن علي ، إثر هروبه تلك الليلة خارج تونس ، هائما على وجهه ، ودونما وجهة محددة تحطّ طائرته فيها.


كم من البلاغة تلزم لاختزال مشاهد انتفاضة الشباب التونسي تلك في قوام اللغة ، وكم من المجاز يُستدعى لاستيعاب ذاك الحدث غير المسبوق في بلد يعضّ منذ عقود خلت على جرحه ، وذلك في سياقه الاستباقي في الزمن والجغرافيا؟


خانتني السليقة مرارا وأنا أحاول إعادة صياغة الحدث الأجلّ بلغة تستوعب كل هذا الجمال الثوري الأقرب إلى زهرة لوتس بريّة عملاقة تنفتح على سطح بحيرة من نار!


التسارع كان قياسيا منذ بدء اندلاع المظاهرات التي عمّت المدن التونسية كافة إثر إضرام رمز الثورة ، محمد البوعزيزي النار بجسده "احتجاجا على الظلم والقهر لا الفقر الذي كان قد تعود عليه" كما أفادت شقيقته ، حتى ساعة هروب رأس النظام في تونس وعائلته تحت ضربات الشارع المتعاظمة واقتراب المظاهرات العارمة من قصره المنيف.


آثر الرئيس المخلوع - بيد الشعب هذه المرة وليس بيد الأجنبي - أن يرحل تحت جنح الظلام ، ومن أبواب العاصمة الخلفية ، على أن يتقدّم باستقالته ويتنحّى عن الحكم ويواجه مسؤوليته أمام شعب ائتمنه على مقدّراته وأرضه ومستقبله فخان الأمانة.


لم يجد بن علي في أصدقائه الغربيين من يوفّر له مهبطاّ لطائرته التي اُستنفذ وقودها وهي تحوّم لساعات عديدة في أجواء الدول "الحليفة" بحثا عن ملاذ إثر انهيار صرحه الأمني الهش.


وتناقلت الأجواء السياسية هنا في العاصمة واشنطن أن الوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون طلبت في اتصال هاتفي مع مسؤولين في السعودية استقباله على أرضها! فالموقف الأميركي كان دائما ملتبسا فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريّات في تونس ، وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أصدرت في شهر أبريل الفائت ، وعلى هامش زيارة وزير الخارجية التونسي ، كمال مرجان ، للولايات المتحدة ، مذكرة رفعتها سارة ليا ويتسن ، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة قالت فيها : "تونس تتحدث كثيراً عن احترام حقوق الإنسان ، لكن ممارساتها في هذا الشأن شيء مختلف تماما" وأضافت : "على وزيرة الخارجية كلينتون أن تؤكد علناً على الرغبة في رؤية نهاية الاضطهاد للصحفيين المستقلين ونشطاء حقوق الإنسان ".


هكذا، وبعيدا عن التنظير السياسي الضيق والأدبيات التنظيمية الركيكة والاصطلاحات الأكاديمية الرصينة ، وقريبا من الحس الغريزيّ البكر بالحق الإنساني المطلق بالحرية والكرامة ، وتنامي الشعور العام بالحاجة إلى التغيير قبل الحاجة إلى الخبز ، أسّس شباب تونس لمشروعهم الثوري الخاص بعيدا عن النظرية التقليدية لتحقيق التغيير السياسي في البلاد العربية ، وتمكّنوا في حركية سلمية مهدها الشارع ، وعمرها أشهر معدودة فقط، من الإطاحة بطاغٍ مستبدّ وتقويض أسس حزب حاكم أوحد ونظام شرس حكم البلاد لمدة 23 عاما بسطوة الأمن الحديدية ، وكذا أجبروا رأس النظام على التسلل خلسة خارج البلاد تحت ثقل الغضب الجارف والحزن الشعبي العميم على شهداء الثورة ممن واجهوا رصاص عصابات بن علي الأمنية وقنّاصيه المنتشرين على أسطحة الأبنية السكنية بصدورهم العارية.


هكذا ، وبسرعة انتقال المعلومات في ألياف خطوط الانترنت ، انتقلت شرارة الثورة بين فئة الشباب التي تتجاوز نسبتها الـ 21% من مجموع التونسيين عبر موقع الفيس بوك الذي شكّل غرفة العمليات الحقيقية لإدارة هذه الحركة.


وإذا علمنا أن ما يقارب مليوناً ومئتي ألف تونسي يملكون حسابا خاصا على الموقع نستطيع أن نقدّر حجم وعمق التواصل والتنسيق الذي انتظمت عليه تلك الثورة وفاجأت العالم بأسره بقدرتها على التكامل والكمال في آن.


وكانت معضلة البطالة التي يعاني منها الشباب التونسي المتعلم ، والتي وصلت نسبتها إلى 14% في العام 2010، الفتيل الذي أشعل تلك النار الفارعة ، والتي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات عريضة على الفساد الحكومي والقمع الأمني وغياب الحريات ، منهية صلاحية النظريات الجاهزة والتقليدية التي يعتقد أصحابها أنه ليس بالإمكان الإطاحة بنظام استبدادي ما لم تتوفر معارضة سياسية منظمة ذات قيادة متماسكة.


هكذا أصبح بإمكان مارك زوكربيرغ ، الشاب الأميركي الذي أسس موقع الفيس بوك ، أن يفاخر بأن قارته "السابعة" التي أطلقها على أمواج الانترنت الرقمية كانت الجهة اللوجستية الحاضنة لأولى ثورات العصر وأصباها ، وأكثرها نورانية ، منذ اندلاع الثورة الفرنسية التي أطاحت برأسيّ الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت في العام 1793 ، وانتهاء بـ "ثورة الصبّار" ، كما يطلق عليها أهل سيدي بوزيد مسقط رأس الشاب البوعزيزي - نبي الثورة وشاهدها الشهيد.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





*شاعرة وكاتبة سورية مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية

السبت، يناير 15، 2011

ليتني حجر



ليتني حجر
آدم فتحي



لَيْتَنِي حَجَرٌ يا ابْنَتِي لَيْتَنِي مِنْ حَجَرْ

كَيْ أرَى ما أرَى دُونَ أنْ أنْفَجِرْ

لَيْتَنِي كُنْتُ لَوْحًا مِنَ الزِّنْكِ أو خشَبًا أوْ رُخامًا فلا أتوجَّعُ

أو أتفجَّعُ أو أتصدَّعُ أو أتبَعْثَرُ أو أنْتَثِرْ

كُلَّمَا امْتَدَّ فِيَّ السُّؤالُ شُروخًا وأَقْبِيَةً وسِهَامًا إلى أَيْنَ بَعْدُ ، نِيامًا وماشِيَةً ونَعامًا؟












وماذَا فَعَلْتُمْ بِأَحْلامِكُمْ يا أبِي ، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا؟





وأَيَّ بِلادٍ تُرِيدُونَ أَنْ تُورِثُونَا، حَشِيشًا وبرْدعَةً ولِجَامًا؟


وماذا تُرَى تَفْعَلُونَ بِأَحْلاَمِنَا وَهْيَ تُولَدُ كَيْ تتَدَاعَى وتَكْبُرُ كَيْ تَنْكَسِرْ












آهِ يا مَيُّ يا مَيُّ لَوْ تَغْفِرِينَ ولَوْ مَرَّةً لأَبِيكِ خَصاصَةَ عِيشَتِهِ وهَشاشَةَ حِيلَتِه ِوهْوَ أعزَلُ يحْرُسُ وَرْدَتَهُ في فَمِ الذِّئْبِ




لَوْ تَسْمَعِينَ لَهُ كَيْفَ يَطْوِي على خَفْقَةِ القَلْبِ أعْذارَهُ دُونَ أنْ يَعْتَذِرْ


كَيْفَ يَشْكُو ويَكْتُمُ شَكْوَاهُ كَيْ لا يُرَى شاكِيًا


كيْفَ يَبْكِي ويَضْحَكُ كيْ لاَ يُرَى باكيًا


كَيْفَ يَدْفنُ دَمْعَتَهُ في الذَّهابِ ويَدْفنُ شَمْعَتَهُ في الغِياب ِ


ويَفْرشُ لَوْعتَهُ في طرِيقِكِ كَيْ لا تَعُوقَ خُطاكِ الحُفَرْ


آهِ كَمْ ضاعَ يا ابْنَتَهُ فِيهِ يَجْرِي ورَاءَ هَوَاءٍ جَدِيرٍ بِفَاكِهَةِ الرُّوحِ


مُنْشَغِلاً عن سماءٍ مُطّوقةٍ بالسُّفُوحِ


مُطِلاًّ على نفْسِهِ في بلادٍ تَليِقُ بما سَالَ مِنْ دَمِنَا في عُرُوقِ الشَّجَرْ


ليْسَ فيها قراصِنَةٌ فَوْقَ ما يُسْتَطاعُ


ولا فُقَرَاءُ يُطِيعُونَ ما لا يُطاعُ


ولا أُمَرَاءُ يَبِيعُونَ مَا لاَ يُبَاعُ


ولا تتخَفَّى طَواحِينُها في ذِئابِ البَشَرْ


مائِلاً عنْ طَريقِ القوافِلِ مُلْتَحِفًا بأغانِيهِ في كُلِّ عاصِفةٍ


واقفًا في سفينَتِهِ يتحَصَّنُ ضِدَّ الشِّباكِ وضِدَّ الجِهات ِ


وضِدَّ الهَلاكِ وضِدَّ النَّجاةِ وضِدَّ دَوَاهٍ أُخَرْ


مُوحِشَ البَحْرِ مُسْتَوْحِشَ البَرِّ مُسْتَأْنِسًا بنَدَى قَلْبِهٍ ونِدَا شَعْبِهِ



مُصْغِيًا في سُكُونِ اللَّيالِي إلى خُطُواتِ السَّلُوقِيِّ مِنْ خَلْفِهِ


راجِيًا أن يَطُولَ السَّفَرْ


رَيْثَما يَتبَيّنُ ماذَا يُرِيدُ وعَنْ أيِّ سِرٍّ يُراوِدُ هذا المَدَى ومتى يَتسَنَّى لَهُ أنْ يَعُودَ من البَحْرِ أو أَنْ يَعُودَ من الحِبْرِ


أو أَنْ يَعُودَ من الحَرْبِ في هَيْئَةِ المُنْتَصِرْ


هُوَ ذَا...أَكَلَتْهُ الدُّرُوبُ فلاَ هُوَ عادَ بِعُشْبَةِ جِلْجَامِشَ الأَبَدِيَّةِ لا هُوَ لاَقَى عَرَائِسَ عُولِيسَ لا هُوَ شَيّدَ قَلْعَتَهُ عَاليًا لا هُوَ ارْتَدَّ عَنْ حُلْمِهِ وانْكَسَرْ


لَكِ أَنْ تَحْمِلِي المِشْعَلَ الآنَ يا مَيُّ.


فَلْتَحْملِيهِ



دَمِيتُ ولكنّني سأظلُّ على عَهْدِنَا مَا حَيِيتُ


يَدِي في يَدَيْكِ وكَفِّي على الجَمْرِ كَيْ لا يَعَضَّ على قَدَمَيْكِ


وإنْ طالَ هذا السَّفَرْ


تَتَمَشَّيْنَ حذْوِي على حَذَرٍ مِثْلَ مَنْ يَتَمَشَّى على كِسَرٍ مِنْ شَذَى الرُّوحِ


شَعْرُكِ يُومِضُ في لُجّةِ الكَلِماتِ وأنْتِ تُعِيدِينَ تَرْتِيبَ فَوْضَى الحيَاةِ


وتَأْثِيثَ قَلْبِي بمُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ مُتَسَائِلَةً كَيْفَ تَنْمُو صِغَارُ النَّبَاتَاتِ


والدُّودُ كَيْفَ يَرَى دَرْبَهُ في المَسافاتِ


والحاجِبُ المُتَقَوِّسُ في قُزَحٍ هَلْ يَنَامُ وتَنْصُلُ ألْوانُهُ في المَطَرْ


والنُّجُومُ التي انْتَثَرَتْ في السَّماواتِ كالبَيْضِ أَيُّ الدَّجاجاتِ تَحْنُو عليها لِتَفْقسَ


أمْ أنَّها صَدَفُ الذِّكْرَياتِ وحَلْوَى تَنَاثَرُ مِنْ عَرَباتِ السَّهَرْ


لنْ أَخِرَّ على الأرْضِ إِلاَّ لأَزْرَعَ فيها مَزِيدًا من الحُلْمِ لَمْ يَحْتَضِنْهُ الرَّبِيعُ


وحُرًّا كَمَا أسْتَطِيعُ، سَعِيدًا على قَدْرِ مَا أسْتَطيعُ


سَأَمْضِي إلى آخِرِ القَهْرِ، أمْضِي إلى آخِرِ الصَّبْرِ أمْضِي إلى موْعدِي المُنْتَظَرْ


رغْمَ يَوْمٍ يَحِنُّ إلى أمْسِهِ لاَ إلى غَدِهِ ، وغَدٍ يَتَعَمَّدُ إِخْلافَ مَوْعِدِهِ


صارِخًا في المَدَى حَيْثُ لا شَيْءَ يُرْضِي البَصِيرَة لا شَيْءَ يُرْضِي البَصَرْ


غَيْرَ شعْبٍ يمُوتُ ليَحْيَا، ويَكْتُبُ بِالدَّمِ فوْقَ عِبَارةِ يَحْيَا


إذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أرادَ الحياة


ولم تُوقِظِ الرُّوحُ فِيهِ المَوَات


ولم يَنْفُضِ القَلْبُ عَنْهُ الحَجَرْ


فَهَيْهاتَ أَنْ يَسْتَجِيبَ القَدَرْ


لَيْتَنِي قَشَّةٌ يا ابْنَتِي لا تخافُ العَجَاجةَ


بل لَيْتَنِي مَوْجَةٌ لا تُبَالِي إِذَا هَزَّها بَحْرُ بنْزرْتَ أَيْنَ تَقُودُ الزُّجَاجَةَ


أو قَمْحَةٌ تَتَكَسَّلُ في شَمْسِ بَاجَةَ


أو حَنَشٌ في مَسَارِبِ نَفْزَاوَتِي يُوقِظُ العَنْزَ مِنْ نَوْمِهَا ويُثِيرُ الدَّجَاجَةَ مُلْتَحِفًا بِشُعَاعِ القَمَرْ


لَيْتَنِي لِحْفَةٌ في رِيَاحِ المَرازِيقِ أو سَعْفَةٌ تَحْتَ حِمْلِ العَلِيق ِ


تُزَخْرِفُ رَمْلَ الجَرِيدِ ولا تَتَوَقَّفُ إِنْ نَسِيَتْ نَفْسَهَا في الطِّرِيقِ


لِتَسْأَلَ عَنْ حَجَرٍ أو بَشَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ خَرَّ مِنْ بَيْنِ غَمْضِ الجُفُونِ على رَأْسِهِ في الطَّرِيقِ


إلى تَاءِ تَالَةَ


أو بَاءِ بُوزِيدَ فاصْطَرَّ كالحلَزُونِ على نفْسِهِ لا رِسَالةَ


تَشْغَلُهُ لا بَرِيدَ ولاَ صَرَّ لا قَرَّ لاَ بَرْدَ لا حَرَّ لا صالِحِي لا مَطَرْ


لَيْتَنِي مَا وَرِثْتُ دَمَ المُتَنَبِّي ولا قَلْبَ دَرْوِيشَ


بَلْ لَيْتَنِي مَا عَبَثْتُ مَعَ المَوْتِ حتّى أَعِيشَ


إلى حِينِ أَصْرُخُ لَيْتَ الفَتَى حَجَرٌ لَيْتَنِي حَجَرٌ لَيْتَ رُوحِي وقَلْبِي وعَقْلِي حَجَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ كَيْ أَرَى مَا أَرَى :


الدَّمَ يُهْرَقُ والحُلْمَ يُزْهَقُ


والصَّمْتَ يُطْبِق ُ


مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَفَطَّرَ أو أَتَفَجَّرَ أو أَنْتَحِرْ



لَيْتَنِي حَجَرٌ، كيْ أَرُدَّ على كُلِّ هذا الرَّصَاصِ، وأَهْدِمَ سَقْفَ الرَّصَاصِ ، وأَصْرُخَ في جَبَرُوتِ الرصَاصِ


ارْفَعِ اليَدَ عنْ دَمِنا ،


وارْفَعِ اليَدَ عن شَعْبِنَا ،


وارْفَعِ اليَدَ عنَّا ،


فقدْ نَفَدَ الصَبْرُ منْ صَبْرِنا وانْدَثَرْ


لَيْتَنِي حَجَرٌ...


غَيْرَ أنِّي بَشَرْ



قَدَرِي أَنْ أَظَلَّ أدُقُّ على بَابِ حُلْمِي بلَحْمِي وعَظْمِي إلى أنْ أمُوتَ على البابِ أو


أَنْتَصِرْ .

الأحد، يناير 09، 2011

أحبيني



(إهداء إلى الشاعر عبدالقادر بكار)


أحبّيني .. أحبّيني ..


أحبّيني

أما آنَ ؟؟

أحبّيني فحبّك أنْ تحبّيني

ولا ثانٍ لنا في الحبّ إلاّنا


أحبّيني وما أدراك ماحبّي ؟

فليت لديّ معجزة

وليت لديّ برهانا

أحبّيني مجاملة لأجلك أنتِ

أو أجلي

لأجل الحبّ ياحبّي

لأجل الله إحسانا

أحبّيني

عِديني بالهوى وعداًَ

وخونيه

كفاني وعدك الآنَ

كتجربة أحبّيني

لعلّكِ أنْ تحبّيني

ويغدو الحبُّ إدمانا

أحبّيني

بدافع أنْ تحبّيني

أحبّيني

لأيّ مبررٍ كانَ

ولو خطأً أحبّيني

أما أخطأتِ أحياناً

وأحياناً وأحيانا ؟؟؟

بلا سببٍِ أحبّيني

بلا حبٍّ أحبّيني

بلا شيءٍ أحبّيني

بمعجزةٍ أحبّيني

وخلّي الرقضَ إذعانا

خلّي العجزَ إمكانا

خلّي الكفرَ إيمانا

أحبّيني

أحبّيني

أحبّيني

لعلّ الحزنَ يحزنني

لعلّ الفرحَ يفرحني

لعلّي صرتُ إنسانا

أحبّيني

الأحد، ديسمبر 05، 2010

عن البيت


البيت يحمي أحلام اليقظة . ..إن الأماكن التي مارسنا فيها أحلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظة جديدة . ونظراً لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكناها نعيشها مرة أخرى كحلم يقظة ، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة . البيت هو ركننا في العالم . إنه كما قيل مراراً ، كوننا الأول . كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى . وإذا طالعنا بألفة فسيبدو أبأس بيت جميلاً . في حياة الإنسان ينحّي البيت عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية . ولهذا فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً ، إنه ـ البيت ـ يحفظه عبر عواصف السماء وأهوال الأرض .
البيت جسد وروح ، وهو عالم الإنسان الأول .


إن رسم صورة مبالغ في جمالها للبيت تلغي ألفته ، ويصدق هذا على الحياة ، ولكنه أصدق ما يكون في أحلام اليقظة ، إن البيوت الحقيقية للذاكرة ، البيوت التي نعود إليها في أحلامنا ، البيوت الثرية بأحلام اليقظة ، لا تمنح نفسها بسهولة للوصف ، فوصفها يشبه أن نفرج الزوار عليها .

إن سمات المأوى تبلغ حداً من البساطة ومن التجذر العميق في اللاوعي يجعلها تستعاد بمجرد ذكرها ، أكثر مما تستعاد من خلال الوصف الدقيق لها .


بغض النظر عن ذكرياتنا فإن البيت الذي ولدنا فيه محفور بشكل مادي في داخلنا . فسكنى البيت الذي ولدنا فيه ـ حلمياً ـ يعني أكثر من مجرد سكناه في الذاكرة ، إنها تعني الحياة في هذا البيت(الذي زال) بنفس الأسلوب الذي كنا نحلم فيه .


يشحن البيت الذي ولدنا فيه بقيم الحلم التي تبقى بعد زوال البيت ز تتجمع مراكز الوحدة والضجر والأحلام لتشكل بيت الأحلام وهو أكثر ديمومة من ذكرياتنا المتشتتة عن البيت الذي ولدنا فيه .


يشكل البيت مجموعة من الصور التي تعطي الإنسانية براهين وأوهام التوازن .


لو كنت مهندساً لبيت الأحلام فلسوف أتردد بين بناء من ثلاث طوابق أو من أربعة ، فالبيت المكون من ثلاثة طوابق هو الأشد بساطة فيما يتصل بالارتفاع الجوهري . يمتلك قبواً أو طابقاً أرضياً وعليّة ، في حين البيت المكون من أربعة طوابق يضع طابقاً بين الطابق الأرضي والعلية . وإذا أضفنا طابقاً آخرَ فإن أحلامنا تتضبب . في بيت الحلم يستطيع مسحنا التحليلي أن يعد لثلاثة أو أربعة .


أي عمق خاص يوجد في حلم يقظة الطفل ! ، وما أسعد الطفل الذي يمتلك لحظات وحدته . إنه أمر جيد بل ومطلوب أن يكون للطفل لحظات ضجر ، لأن يتعلم الجدل بين اللعب البالغ الإمتاع والضجر الخالص الذي لا سبب له . يحكي لنا (الكسندر دوما) في مذكراته أنه عندما كان طفلاً كان يعاني من الضجر إلى حد البكاء ، وعندما لقيته أمه يبكي سألته (ما الذي يبكي دوما ؟) فأجاب الطفل ابن السادسة (دوما يبكي لأن لدوما دموعاً ) . ومثل هذه الحكايات يرويها المشاهير عادة في مذكراتهم ، ولكنها توضح الضجر المطلق ، الضجر الذي لا ينتج عن مجرد افتقاد رفاق اللعب . هناك أطفال يتخلون عن اللعب لينصرفوا إلى زاوية في حجرة السطح يمارسون ضجرهم فيها . لكم أشتاق إلى علية ضجري عندما تجعلني تعقيدات الحياة أفقد بذرة الحرية ذاتها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جماليات المكان لغاستون باشلار . ترجمة غالب هلسا

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . الطبعة الثالثة . 1987م .

السبت، نوفمبر 27، 2010

عائشة والجدار



الجدار الطيني القديم بشكله المتداعي كان يعلونا بكثير ، كم وقف سداً عنيداً أمامنا يمد لسانه .. يدعونا إلى اللعب أو يقصره فينهي جلساتنا ويبطل لهونا ، هكذا حين يمد ظله الكبير ، أو حين يحجبه في تجاويف الأحجار الترابية المتآكلة ، أو حين يبتلع الكرة لينهي لعبة ويجبرنا على لعبة أخرى .


( عائشة ) المرأة الجميلة صاحبة الجدار ، كلت من رد الأشياء التي نقذفها وراء الجدار ، فتتساقط بجوارها وحيناً تصيبها ، وحيناً ما تفسد أشياؤنا غناءها الجميل ، وحيناً تطل علينا من وراء الجدار ، وتقذف بأشيائنا التافهة ، وحين كلت صارت تحجب الكرة عنا وتطردنا .


لقد كنا نفسد عليها وحدتها ، وننتهك الصمت الذي تحبه ، بأن صرنا نحفظ غناءها ونردده ومن دون أن نعرف مغزاه ، لكننا حين رأينا أمهاتنا تعض على الشفاه حين تسمع مانردده من أغان ، اكتشفنا في ( عائشة ) مكمن خطيئة من دون أن نعرف للخطيئة سبباً .


ومنذ ذلك اليوم صارت ( عائشة ) لعبتنا ، صرنا نتسلق الجدار ، ونطل برؤوسنا الصغيرة ، فنرى ساقيها ممدتين . فيستبد بها الغضب وتقف تطردنا ، فنهرب بعيداً ، لنتسلل بعد لحظات إلى ظل الجدار ، ونختار لعبة صامتة مكتفين بغناء ( عائشة ) الجميل ، كان جميلاً على الرغم ما ألصق به من خطيئة ولايخلو من نبرة حزن .


ظل الجدار يحجبنا ويحجب ألعابنا عنا ، ونحاول في كل مرة تكبد مشقة تسلقه ، لكي تمتليء عيوننا بشعرها الغزير وأنوفنا بعطرها النفاذ ، وفي بعض الأحيان تمد قوامها ....... فيعلو الجدار ، فتحبط محاولتنا ، واليوم حين عرفت سر الغناء وقفت بجوار الجدار ، ووضعت راحة كفي على أعلى حجرة فيه ، ونظرت بارتياح إلى ماوراء الجدار فرأيت بقايا إمرأة ، لم تبدل جلستها منذ ثلاثين عاماً ، وكان الزمان قد أطفأ نضارتها وسرق صوتها الجميل ، إنها تستسلم لنظراتي فأرى ساقين جافتين .... ولم تفعل شيئاً .......... ، صارت هدفاً مكشوفاً تنظر إلي نظرة العاجز اليائس ، إنها إمرأة لايمكنها الوقوف منتصبة ، لقد صار الجدار يعلوها ، صغرت ( عائشة ) وكبر الجدار ، كانت أكبر من الجدار ومنا ، واليوم نحن أكبر من الجدار ومنها .. الفرصة مهيأة لأن يلعب الأطفال ، ولكن من يضمن لنا نحن الكبار ألا نعود صغاراً ؟! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المجموعة القصصية (اللعبة) بموقع القاص سالم علي العبار

الجمعة، نوفمبر 26، 2010

حجّة أمّي



ظلت أمي عاماً كاملاً تسرد بنشاط وفرح وتفصيل سندباديّ قصّة رحلتها إلى بيت الله الحرام ، رحلتها الأولى في حياتها .

فمنذ الخمس وستين سنة التي مضت من عمرها عاشت حبيسة مساحة الأنثى القروية : المطبخ ؛ فإن خطت خطوة فإلى المربوعة لترتيبها من فوضى يخلفها الرجال حول القصعة أو حول الكارطة ، فإن خطت خطوة ثانية فإلى فناء البيت الذي دنسه الدواجن والبهائم ، فإن ابتعدت فإلى بيوت القرية ـ حيث كلّ قبيلتها ـ لتعدّ الولائم في المناسبات .

لأول مرة طوال تاريخ تطور وسائل النقل من الأنعام إلى الكاروات إلى السفن إلى القطارات إلى السيارات إلى الطيارات تسافر هذه المرأة الساذجة الموشمة الوجه والذراعين ؛ في حافلة وباخرة وطيارة على التوالي ، إلى الجبل الأخضر فإلى طبرق فإلى السلوم فإلى أم الدنيا ، ثم إلى أين ؟ إلى مكة المكرمة حيث بيت الله والمدينة المنورة حيث قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وزمزم ، أماكن ومشاهد لم تكن سوى أسماء في مخيلتها لا حتى أحلامها ، فأية تجربة هذه لأمرأة هي هذه ؟ ، المرأة التي حملتنا في بطنها واحداً واحداً تسعة أشهر ، وعامين في حجرها أو على صدرها أو على ظهرها ولا تزال تحملنا في قلبها ، وعاشت عصراً حمّالة لأشيائنا وحاجاتنا وأخطائنا ، نحملها نحن هذه المرة إلى المصوراتي لتسلم ارتباكها وعفويتها لشاب مزركش الثياب يأمرها :

ـ إرفعي رأسك فوق شوي ياحاجّة ، لأ. لأ لوطا شوي ، آيْ وهْ ، ردّي بالك اتحركي ولاّ ترمشي عيونك ، واحد اثنين ثلاث .

ـ خلاص يا بوي؟

ـ خلاص يا حنّي.

ـ أوّين تصْورْتي عَيْد؟

ـ ساعتين بس وتكون جاهزة ، هَيْ تفضلي بالسلامة.

ثم إلى الجوازات :

ـ هَيْ ابصمي ياحاجة.

ـ وين يابوي؟.

ـ هَنْ ياحاجة ، لا لا لا ياحاجة هَنْ هَنْ ، آي وه بالزبط .

ثم إلى الهلال الأحمر:

ـ وعليش جرحتـّم لصبْعي ؟ .
ـ مرات تستحقي إلدم .

ـ نسمعو نسلمو انشالله ، نا ماشية البيت الله ولاّ الحرب ؟ ، سوّهم في دوّهم.

ثم إلى المصرف لتستلم المنحة:

ـ هذا هو البنك و؟.

ـ إي نعم هذا هو.

ـ انشا الله ابطَولةْ عمري ؛ هذا وين عمري ريته .

ـ إي وا عليك بو زفر ياحاجة.

ثم إلى السوق : لشراء حقيبة وصاكـّو يُكتب عليهما بالخط العريض اسمها مضافاً إليه لام أليف لتميزهما هي عن سواهما ، ثم لتملأهما هناك بالسّبَحْ والصلايات والبخور والمعارق الصفر والسواري والعقود والصوّرات والساعات والبنادق للأطفال.

الطارقون الباب يسألون عنها يريدون أن يروها قبل أن تسافر ، والحالـّون بيننا يتحدثون إليها ، والهاتف يرن لينقل إليها أصوات المباركين والأمنيات بالسلامة أو الاعتذار عن عدم حضور الحفلة .

ـ أمتى متسقدين يا حاجة إنشاالله ؟ . سلمي لنا علي رسول الله ياحاجة ، . راكي تنسينا مالدعاء ياحاجة . ردّي بالك من روحك يمّي . راكي تنسي موعد الدوا . اللي ما تقدري عليها إدّيها . ردي بالك من زحمة أيام الرجم . الضرب عالنيّة يا حاجة . صوّارة حقيقية يا حنّي.

وتدور الأحاديث وتدور وتدور لكنها تعود إليها كما ابتدأت منها .

ثم عانقناها وقبلنا يديها ورأسها ومزجنا دموعنا بدموعها ؛ و وجدنا رائحتها الطيبة فائحة في شحنة لحظة الوداع تلك ، ثم حملناها مثل عروس في موكب صاخب بالدرابيك والأكف المصفّقة والزغاريد ومزامير السيارات ، ورجعنا واجِدين ، وركزنا لها راية بيضاء دعمناها في وجه الرياح ؛ وحرسناها من العيون بأعيننا.

فماذا فعل كل هذا الاهتمام بقلبها الكبير يا تـُرى ؟ وفي أي تجربة مفاجئة وضخمة ودفعة واحدة أقحمناها ؟ بعد إهمال ولا مبالاة وأنانية أولاد دامت ستين عاماً ؟ ، تبارك من فرض الحج ؛ وسلام على من أذّن به في الناس أول مرة ؛ والحمد لله الذي وضع أول بيت للناس وجعله مباركاً ، ثم الحمد لله ولو من أجل تلك الفرحة الغامرة التي بُثّت في روح وكلمات أمي ، وفاضت في محيّاها بنور أعاد إليه بمعجزة ربّانية ما سلبه الزمن من رونق وحيوية وشباب ، عام من الثرثرة المغتبطة البهيجة عن رحلة كأنما لم يذهب معها أحد ، أو كأن الملايين الذين رأتهم هناك إنما أقبلوا لكي يلتقوا بها هي ، نعم أمي ذهبت هي أيضاً مثلما ذهب جدي شيخ القبيلة منذ أربعين سنة وخالي المدير وزوجته منذ خمسين .

في المحطات والبوابات والاستعلامات كان يُنادى على اسمها وكاملاً "أم السعد سعيد علي مفتاح" .

ـ في التابوس ـ تقول ـ طول الطريق ونا واعية ؛ ونشوهي للولد السوّاق وقرينه اللي يعاون فيه ، والحقيقة اشهدوا لي شهادة سمحة ، قالوا للزابط أوّلْ ما اتسقّدْ أوراق الحاجة نفّاقتنا البدوية هذْ .
ـ أوغادي ـ تضيف ـ وينما جينا حصّلنا شقة سمحة في بالاص قريّبْ مالشيطان الكبير.فيقول لها أبي : ورجمتيه الشيطان ؟ فتجيب إي والله ، فيعلق : يا مرقد ريحه الشيطان اللي رجمتيه حتى أنت .

ـ او في مكة جميع الحجاج لاخرين حتى ملْ لسلام النصارى يقولو لي مرحبه يا ليبية مرحبه ياليبية ، مَو عَيْد نا كنت لابسة الردا لبْيَض المخربش ، هضا هو اللي كانن الحاجات لوّلات ايحجن بيه ، كَلاّ الجلابيب السّود هذين ما كنا نعرفوهن بلكل ، ماهن شي لنا نحنا يا الليبيات .

عام قمريّ تام ، وكل موقف يذكـّر أمي بموقف في رحلتها ، وكل كلمة تذكّرها بكلام قيل هناك ، وكل موضوع تفتحه بقولها : في مشيتي للحج في حجّتي ، إلا أنني مع اقتراب حول حجتها لاحظت فتوراً في حماسها وهي تسرد ذكريات حجتها ، تحوّل فيما بعد إلى ما يشبه الحزن الشفيف ، ثم لم أعد اسمع منها حرفاً يتعلق بالحج ولا بغيره ، وبدتْ وسط صخب إعدادنا لحفلة حجة عمتي صامتة تقريباً .

الاثنين، أكتوبر 25، 2010

أيها الخبز


أيها الخبز
من الطحين والماء والنار تربو
كثيفاً خفيفاً متسعاً مستديراً
إنك صنو لبطن الأم
أيها النبت الأرضي المعتدل
أيها الخبز
كم أنت سهل وعميق
على خشبة الفرن البيضاء تمتد صفوفك
كالأدوات كالصحون أو كالأوراق
وفجأة تغمرك موجة الحياة
وامتزاج البذرة بالنار
فتربو وتربو فجأة
كقامة كفم كنهد
ومن هضاب الأرض والحيوات
تتصاعد الحرارة ، وريح الخصب
وعندئذ يتجمد لونك الذهبي مخصباً أشكالك
وتطبع الجراح السمراء
لذعتها على أرغفتك المذهبة المستديرة
والآن ها أنت ذا مكتمل
يا صنيع الإنسان
يا معجزة تتكرر
يا إرادة الحياة
أوه! ... يا خبز كل فم
إننا لا نستجديك استجداء
فالناس ليسوا متسولين
أمام الآلهة الغامضة
أو الملائكة القاتمة

* * *
من البحر والبر سنصنع خبزاً
سنزرع القمح على الأرض وفي الكواكب
وخبزَ كلّ فم ، كلّ إنسان ، سيأتي كل يوم
لأننا سننطلق لنزرعه ، ولنصنعه
لا لإنسان واحد
بل لكل الناس
الخبز ، الخبز لكل الشعوب
ومع الخبز كل ما له شكل الخبز وطعمه
لكل الشعوب : الأرض والجمال والحب
فلهذا كله طعم الخبز ، وشكل الخبز ، ونبت الطحين
لقد وجد كل شيء ليوزع ، ليُعطى ، ليتضاعف
ومن أجل ذلك ، إذا هربت أيها الخبز من بيت الإنسان
وإذا خبئوك وأنكروك
وإذا دنسك البخيل واحتكرك الثري
وإذا لم ينشد القمحَ الثلم والتراب
فإننا أيها الخبز لن نتضرع إليك
ولن نستجديك
بل سنناضل من أجلك مع الناس الآخرين
مع الجياع
لن نذهب لنفتش عنك في أعماق الأنهار وطبقات الهواء
بل سنزرع الأرض كلها لتستطيع أن تنبت
وستتقدم الأرض معنا
وسيناضل معنا الماء والنار والإنسان
سننطلق متوجين بالسنابل
كاسبين الأرض للجميع والخبز للجميع
وستغدو الحياة عندئذ كالخبز
بسيطة ، عميقة ، خصبة ، صافية
وسيكون للكائنات كلها حق في الأرض
وحق في الحياة
وهكذا سيكون خبز المستقبل
خبز كل فم
خبزاً مقدساً مباركاً
لأنه سيكون ثمرة أقسى وأطول نضال إنساني
إن الانتصار الأرضي لا أجنحة له
ولكنه يحمل خبزاً على كتفيه
ومن أجل أن يحرر الأرض
يطير باسلاً كخبّازة يجرجرها الريح .

ـــــــــــــــــــــ
بابلو نيرودا
ترجمة أحمد سويد

السبت، أكتوبر 23، 2010

مرثية مُُُصارع الثيران






النطحة والموت












في الخامسة عند المساء
كانت تمام الخامسة عند المساء
حمل طفل الغطاء الأبيض
في الخامسة عند المساء
قفة جير كانت جاهزة
في الخامسة عند المساء
الباقي موت ولا شيء غير الموت
في الخامسة عند المساء
طيّر الريح الأقطان
في الخامسة عند المساء
الصدأ زرع البللور والنيكل
في الخامسة عند المساء
تتصارع فعلاً الحمامة مع الفهد
في الخامسة عند المساء
فخذ مع قرن ثور
في الخامسة عند المساء
بدأت أصوات الوتر السميك
في الخامسة عند المساء
في الزوايا نقف حشود الصمت
في الخامسة عند المساء
الثور وحده مرتفع الهمة
حين جاء عرق الثلج
في الخامسة عند المساء
حين كسيت الحلبة باليود
في الخامسة عند المساء
والموت فرّخ في الجرح
في الخامسة عند المساء
في تمام الخامسة عند المساء
تابوت بعجلات كان هو السرير
في الخامسة عند المساء
وعظام ونايات تتردد في أذنيه
في الخامسة عند المساء
ويخور الثور من جبهته
في الخامسة عند المساء
الغرفة ملونة بألوان النزع الأخير القزحية
في الخامسة عند المساء
الغنغرينا قادمة من بعيد
في الخامسة عند المساء
أبواق الزنبق للحالبين الأخضرين
في الخامسة عند المساء
الجراح تحرق مثل الشموس
في الخامسة عند المساء
الحشود تهشم النوافذ
في الخامسة عند المساء
في الخامسة عند المساء
آه يا لهول الخامسة عند المساء
كانت الخامسة في دورة كل الساعات
كانت الخامسة في ظل المساء







الدم المسفوح






لا أريد أن اراه
قل للقمر أن يأتي
وإني لا أريد أن أرى دمَ انياتزو مسفوحاً فوق الحلبة
لا أريد أن أراه
القمر في تمامه
جواد الغيوم الهادئة
وحلبة الحلم الرمادية
مسيجة بأشجار البان
لا أريد أن أراه
ذاكرتي تحترق
قولوا للياسمين
بزهيراته البيض
لا أريد أن اراه
بقرة العالم القديم
تمرّ بلسانها الحزين
فوق وجه مخضب بالدم
المسفوح فوق الحلبة
وثيران غيساندو شبه موت وشبه صخر
تخور خوار قرنين من الزمن
مرهقة من الضرب في متاهات الأرض
لا
لا أريد أن أراه

وفوق الدرجات صعد انياتزو
حاملاً كل ثقل موته فوق ظهره
باحثاً عن الفجر
ولكن الفجر لم يبزغ
كان يبحث عن صورته الجانبية الواثقة
ولكن الحلم يشقيه
كان عن جسمه الجميل
فوجد دمه المراق
لا تطلبوا مني أن أراه
لا أرغب في سماع التدفق
يتناقص كل حين
هذا التدفق الذي يثير
الدرجات وينقلب
فوق مخمل الجموع الظامئة وجلودها
التي تهتف بي أن أتقدم
لا تطلبوا مني أن أراه
لم تغمض عيناه
حين رأى القرنين يقتربان
ولكن الأمهات الرهيبات
رفعن رؤوسهن
ومن الحظائر هبت ريح من الأصوات الخفية
تصرخ بالثيران السماوية
قطعان الضباب الشاحب

لم تعرف أشبيلية
أميراً يمكنها أن تقارنه به
ولا سيفاً مثل سيفه
ولا قلباً أصيلاً مثل قلبه
كنهر من الأسود
كانت قوته العجيبة
وكتمثال مرمري
كان حكمته المتوازنة
نفحة من روما الأندلسية
تعطر رأسه
حيث كانت ابتسامته
ناردينا من الملح والذكاء
ما أعظمه من مصارع في الحلبة
ما أروعه من جبلي فوق الجبال
وما أرقه مع السنابل
وما أقساه مع المهاميز
ما ألطفه مع الندى
ما أبهره في المحافل
ما أرهبه مع آخر مهاميز العتمة

هيهات إنه نائم نوماً أبدياً
إن الطحالب والأعشاب
تفتح زهرة جمجمته
بأصابع واثقة
ودمه يتدفق
مغنياً عبر الغياض والمروج
منزلقاً على القرون المنتصبة
متعثراً بألف قبقاب
مثل لسان طويل حزين قاتم
لكي يشكل بئراً الاحتضار
قرب الوادي الكبير وادي النجوم
آه يا جدار أسبانيا الأبيض
آه يا ثور الشقاء الأسود
آه يا دم انياتزو الدفاق
يا بلبل عروقه
كلاّ
لا أريد أن اراه
ليس هناك كأس يحويه
ولا طيور خطاف تشريه
ولا جليد نور يجمده
ولا أغنيات ولا طوفان الزنابق
ولا بللور يمكن أن يكسوه بالفضة
لا . ولا أريد أن أراه .








جسد حاضر







الصخرة جبهة تنتحب فوقها الأحلام
بلا مسارب مائية ملتوية
ولا سرو مقرور
الصخرة كتف يحمل الزمن
بأشجار الدموع والأشرطة والكواكب
رأيت أمطاراً رمادية تهرع نحو الموج
رافعة أذرعها الرهيفة المثقوبة
كي لا تحبسها الصخرة
التي تفك الأطراف دون أن تشرب الدم
ذلك أن الصخرة تجني البذور والغيوم
وهياكل القبرات
وذئاب العتمة
ولكنها لا تهب أصواتاً ولا بللوراً ولا ناراً
ولكن حلبات وحلبات ومزيداً
الحلبات الخالية من الأسوار

وهاهو الآن انياتزو
الحسيب النسيب
يرقد فوق صخرة
ها هو قد انتهى
ماذا يحدث ؟
تأملوا هيأته
لقد غطاه الموت بكبريت شاحب
وثبت فوقه رأس ثور صغير غامض
لقد انتهى والمطر يتسرب إلى فمه
والريح كالمجنون تحفر صدره
والحب المبلل بدموع الثلج
يلتمس الدفء فوق قمم الحظائر
ماذا يقولون ؟
صمت عفن يهيمن
نحن مع جسد حاضر يتلاشى
في هيأة صافية كالعنادل
ونحن نراه يمتلئ
بثقوب ليس لها قرار

من الذي يجعد الكفن ؟
ليس صحيحاً ما يقول
هنا لا أحد يغني ولا أحد يبكي
في الزاوية
ولا أحد يغرز المهاميز أو يخيف الثعبان

هنا لا أريد شيئاً سوى العيون المستديرة
لكي أرى هذا الجسد دون راحة ممكنة

أريد أن أرى الرجال ذوي الأصوات القاسية
أولئك الذين يروضون الخيول
ويهيمنون على الأنهار
الرجال الذين تجلجل هياكلهم العظمية ويغنون
بفم ملئ بالشمس والحصى
هنا أريد أن أراه أمام الصخرة
أمام هذا الجسد المقطوع الأعنة
أريد أن يدلوني على منفذ
لهذا القائد المشدود على الموت
أريد أن يعلموني أغنية
متدفقة مثل النهر
موشحة بالغيومالحلوة
والضفاف الجميلة
حتى تحمل جثمان انياتزو
الذي يضيع
دون أن يصغي إلى أنفاس الثيران
إنه يتوارى في الحلبة المستديرة للقمر
التي تبدو حين تكون ودطفلة متوجعة
وحشاً ثابتاً

يتوارى في ليلة لا يتردد فيها غناء الأسماك
وفي الغابة البيضاء للدخان المتجمد

لا أريد أن يغطى وجهه بالمناديل
لأنه سيعتاد الموت الذي يرحل به
لترحل يا انياتزو. انس الحوار اللاهب
نم . حلق . استرح .
حتى البحر يموت .








روح غائبة







لن يعرفك الثور ولا شجر التين
ولن تعرفك الخيول ولا النمال في بيتك
لن يعرفك الطفل ولا المساء
لأنك رحلت إلى الأبد
لن يعرفك ظهر الصخرة
ولا الحرير الأسود حيث سيتحلل جسدك
ولن تعرفك ذكراك الصامتة
لأنك رحلت إلى الأبد
سيأتي الخريف
بقواقع حلازينه
وستأتي عناقيد الضباب
وحشود الجبال
ولكن لن يرغب أحد في رؤية عينيك
لأنك رحلت إلى الأبد
لأنك مت إلى الأبد كسائر أموات الأرض
كسائر الأموات الذين يُنسون في ركام من الكلاب الهامدة
لا أحد يعرفك . كلا !
ولكني سأغنيك
أغني اللفتة الجانبية من محياك
ولطفك
والنضج العظيم لألمعيتك
شهيتك للموت وطعم فمك
والحزن الذي كان لبهجتك الشجاعة

سيتأخر كثيراً عن الميلاد
ـ هذا إن ولد ـ
أندلسي في مثل صفائك
وفي مثل غناك بالمغامرة

إني أتغنى بأناقته بكلمات تنتحب
وأذكر نسماً حزيناً يسري بين أشجار الزيتون














ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






شعر فيديريكو غارسيا لوركا






ترجمة خليفة التليسي

الثلاثاء، أكتوبر 05، 2010

بربارا


أتذكرين بربارا ؟
كانت تمطر بلا انقطاع ذلك النهار فوق "بريست"
وأنت تسيرين مبتسمة
مفتحة .. مخطوفة .. مبللة
تحت المطر
أتذكرين بربارا ؟
كانت تمطر بلا انقطاع فوق بريست
حين تقاطعنا في شارع "سيام"
كنت تبتسمين
فابتسمتْ

بربارا !
أتذكرين ؟
أنت يا من لا أعرفها
أنت يا من لا تعرفني
ومع ذلك أتذكرين ذلك النهار ؟
فأنا لن أنسى ..
رجلاً كان يحتمي تحت بوابة
ويناديك : بربارا !
فتهرعين إليه تحت المطر
مبللة .. مخطوفة .. مفتحة
وتلقين بنفسك بين ذراعيه
أتذكرين ذلك بربارا ؟

لن أنسى
ذلك المطر العاقل السعيد
على وجهك السعيد
على تلك المدينة السعيدة
ذلك المطر فوق البحر
وترسانة الأسلحة
وباخرة "ويسان"

آه .. بربارا
أي بلاهة هي الحرب !
أين أنت الآن ؟
تحت مطر الحديد والنار والدم
وذاك الذي كان يطوقك بذراعيه مشغوفاً
أميت هو الآن ؟ مختف ٍ ؟ أم لا يزال حياً ؟

آه بربارا !
إنها تمطر بلا انقطاع فوق بريست
كما كانت تمطر من قبل
ولكن هيهات فكل شيء أصبح دماراً
إنه مطر الحداد المفزع الأليم
ليس ثمة بعد
حتى ولو عاصفة من حديد ودم
غير بضع سحابات تنفق مثل كلاب ..
كلاب تختفي
مع خيوط الماء فوق بريست
ثم تذهب تموت بعيدا
بعيداً .. بعيداً جداً عن بريست
التي لم يبق منها شيء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر الفرنسي جاك بريفيير . ديوان : كلمات .
ترجمة عبدالكريم كاصد . دار ابن رشد للطباعة والنشر . الطبعة الأولى 1981م

الأربعاء، سبتمبر 29، 2010

مدرسة القرية


ما أقربَهُ !




ما أبعَدَهُ !




مثلُكِ




آخرُ آخِرِ مايو




وهو يجفّفُ طُحلبَ سَطحِكِ




يا أختَ مَسَاكِنِنا




لمّا غادَرْناكِ




ـ تهَافَتُ ذرَّاتُ الطبَاشير




تسَاقَطُ أسماءُ اسامينا ـ




نُنْشِدُ




تحت شبابيكَ مُجنّحَةٍ




نحوَ مدارسَ




لم يصحبْنا صُبْح الرّيفِ إليهَا




لا تشبِهُكِ




لا تشبهُنا




و شَجَاً أنْ لا أحدٌ منّا كان شجيِّا ...



الثلاثاء، سبتمبر 28، 2010

الغيوم


بوصف ِ الغيوم
عليّ أنْ أعجّل جداً
فبعد هنيهة

هي تتوقف أن تكونَ ذاتها

خاصّيتها هي ألا تتكررَ أبداً
في أشكالها ، ظلالها ، وضعاتها ، ونظامها

ترتفع بسهولة عن الحقائق
بذاكرة لا تنوءُ بأي شيءٍ
مهما تكن من شهود على شيءٍ ـ
سرعان ما يتبددْن في كلّ الْجهات

مقارنة ً بالغيوم تبدو الحياة وطيدة
حتى أنها دائمة ، وتقريباً خالدة

عند الغيوم
حتى الحجر يبدو أخاً
يمكن الاعتمادُ عليه
ولكنهن بعيدات ، وبنات عمّ خجولات

فليكنِ الناسُ ناساً ، إذا أرادوا
وبعدها بالتسلسُل كلّ واحدٍ منهم يموت
أما الغيوم فلا يعنيها كلّ هذا الغريب جداً

فوق كل حياتك ، وحياتي ليس كلها
هنّ يتظاهرنَ بأبهة كما تظاهرن

لا ينبغي عليهنّ معنا أنْ يمُتن
لا ينبغي عليهن أن يكنّ مرئياتٍ لكي يُبحِرن .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فيسوافا شيمبورسكا . بولندا. جائزة نوبل عام 1996م .
مكتبة نوبل . النهاية والبداية وقصائد أخرى . ترجمة هاتف الجنابي . الطبعة الأولى 1998م .

الأحد، سبتمبر 26، 2010

مختارات


الزّورقُ العبّار


يقوم بوظيفةِ المكوك


بين القريتين المتقابلتين


على ضفتيّ النهر


والمجرى المائي ليس واسعاً ولا عميقاً


مجردُ فاصلٍ بسيط في الطريق


يزيد من ازدهار المغامراتِ الصغيرة


في الحياة اليومية


مثلَ الوقفة في كلمات الأغنيَة


تجري عبرَها الموسيقى بفرحٍ وانشراح


وبينما ترتفع أبراجُ الثورة


عالية شامخة ثم تسقطُ في الدمار


فإنّ هاتين القريتين تتبادلان الحديثَ عبرَ النهرِ المهذار


ويستمرُ الزورق في أداءِ مهمّةِ المكوك


فصلاً بعدَ فصلٍ


ومن موسمِ البذْر إلى موسم الحصَاد .


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


هكذا غنى طاغور

ترجمة خليفة محمد التليسي . الدار العربية للكتاب . ليبيا تونس . 1989م .

الاثنين، سبتمبر 20، 2010

النـّحـّاس



( النّحاسْ انقرضْ ) ، خاطرة حادّة ، تطِنُّ ـ منذ الليلةِ البارحة في رأسِ "بلْحسَنْ " ، ولقد تحدّى نفسه المنقسمة عليه بالخصوص ، فكان ينهزم أمامها كلّ مرّة ، مقتنعاً بأنّ النحاس قد نفد من القرية والقرى المجاورة ؛ من "الروابش " ومخلّفات الكسّارات والشركات التي يمكن أنْ تخطر له ببال ، فلا أثر حتى لـ" تلّ " في شبكة زريبة :





ـ اقرضوه الجّربْ الله يقرضهم ، انزعوه مالوطن عطهم ما ينزعهم .

وبهذه العبارة كان بلْحسَنْ وبهمس يختم تجواله الفكريّ اليائس في أثر النّحاس ، دون أن تفرقع في أعماقه فتنوّر في أساريره فتسري في أعصابه بُشرى خاطرةٍ ، حاملة خريطة منجم ِ نحاسٍ أنساهُ إيّاه الشيطان الرجيم ، وفي كلِّ مرة يلهث فيها فكره المكرّس منذ أشهر للنحاس ، يزوغ إلى خواطر تزعجه مثل : أنّ النحاس موصّلٌ جيّد للكهرباءِ كما تعلّم في دراسته التي ظلتْ ابتدائية ، ومثل لماذا أسلاك الخطوط الكهربية خمسة ، أو لماذا ترنُّ آنية النّحاس، وسرعان ما تنقله خواطره كعادته إلى طفولته فيذكر أنّ حياة جدّته كانت تقتني"ليّان" نُحاس أصفر كبير، من مخلّفات جيوش الحرب العالميّة ، وكيف أنه كم كان يركزه على حافّته في عزّ "القايله" ، ويشرع في قرعه قرعاتٍ متتالية ، ثم يصيح ( هنا لندن! ) ، فيقول في ذهنه



ـ كان يوزن قريّبْ خمسة وعشرين كيلو!



ثم يكتم تحسّرَه بلوم نفسه :




ـ خرّفْ يا بلْحسن ، كان كان كان ، الدوّهْ في توّهْ ، إن كان ردّتْ جدّتكْ إيردّ هاذك الليّان .

هل يخرج بلحسن من جنة النحاس؟ وهو الذي منذ أشهر ـ كأنها ملايين من السنوات ـ ينام ويصحو على النحاس : ملابسه مشبعة وملّطخة بغبار النحاس، بصماته النحاسية تلطِّخ الجدران والأوراق والزجاج وكلّ الملموسات ، حتى حبّات "الزريعة" التي أدمنها بطعم غبرة النحاس ، حوارات بلحسن الداخلية وأحاديثه حتى مع الأطفال، وأحلامه ونكاته ، كلّها ذات رنين نحاسي ، تقصّي النحاس بالنسبة لـ بلحسنْ صار عادة إدمان هواية حاجة ، بلحسَنْ أمام النحاس ـ ولو شُعيرة منه ـ طفل أمام لعب ، بلْحسنْ " مارد النحاس " كما يسمّيه أطفال القرية ، لم يَبق شبرٌ من جلده لم تخدشه أدغال النحاس التي اخترقها نهاراً أو ليلاً ، وهو لم يُبقِ سلكاً كهربيّاً إلاّ سلّه وعرّاه ولفّه بعناية عمّال الحرير، ولا "شبردق" إلا فحصه فحصاً وفلاّه ليستخلص منه ولو عشرة سنتمتر نحاساً ، ولا "كابل" هواتف أو سواه إلا شقَّ عليه بطن الأرض وسلخه وشواه ، بلْحَسَنْ الذي باع أطناناً من الآنية النحاسية ولفّ الكيلو مترات من أسلاك الكهرباء ، وكوّم أهراماً من " "الفوشيك" .

بلحسنْ هذا الذي فعل به النحاس ما لم يفعله به بيعُ " الشوالات" في "الحصيدة "، ولا بيع الزعتر في الخريف ، ولا بيع اللبن وخبزة التنّور في رمضان ، ولا بيع الأعشاب و"القعمول" في الربيع ، ولا بيع الجلود و"الزمامير" في العيد ، ولا أيّ "بزنس" آخر عرفه وعُرف به خلال مراهقته ، ورفض كلّ وظيفة أو حرفة عُرضت عليه ، حتى تأكد له أنّ النحاس "موش مطلوق" ، بلْحسنْ الذي فعل وفُعِل به كلّ هذا ، يجلس الآن على "بلوكّه حرشه" مسنداً ظهره إلى جدار بيته ـ وربما هي المرة الوحيدة التي يستريح فيها جسده بعيدا عن "القوراج" ، حيث أعمال مسح وجلي وتفكيك وتقطيع وتحميل النحاس ـ يجلس شارداً صامتاً متعب الروح ، ونواقيس نحاسية تضجُّ وتصكُّ مسامعه (نحاس !نحاس!نحاس) ، حتى تكاد تفجّر جمجمته .


فهل يخرج بلحسن من جنة النحاس ؟ .

ـ ولا يمكنْ عليّْ الطلاق ما نقعد ها القعده .



هكذا يقول بلحسن بصوت يقترب من الجهر بإصرار أطباء السرطان




ـ لسْبدّ فيه ميكان فيه نحاس أو ما مشيتْ لهْ ، وين ؟ وين ؟ وين ؟ وين يا بلْحَسَنْ ؟ .



ويطلق بلْحسنْ كلابَ خاطره النحاسيّة ؛ تشقّ الأزقة زقاقاً فزقاقاً ؛ تصّعد الهضاب ؛ تنزل الأودية ؛ تقلّب هياكل السيارات المعطّلة أمام البيوت ، تجرد على الزرائب والخرائب ؛ تشمّم أعمدة الكهرباء القديمة ؛ تلصّص على شبكات محطات الكهرباء ؛ تدور حول أسوار المعسكرات ؛ تخوض المجاري ؛ تلج العبّارات ؛ تعود إليه لاهثة ؛ يعيد ترتيب المكان متخيّلاً القديم ومتصوّرا الجديد ، ويرسلها مرة أخرى وراء النحاس الذهبيّ الغالي ، وبلْحسنْ جسد يابس لا يتمدّد ولا ينكمش مستند إلى الجدار، بعينين فارغتين ، لاتريان العابرين ، وأذنين لا تسمعان التحيّات .

لكنّ الآذان يرتفع فينبّهه ، فينفض ثوبه متعوّذا بالله من الشيطان ومستغفراً ربّه ، داعياً في أعماقه أن يدلّه على منجم للنحاس ، ويتوجّه في برتقالية الأصيل للصلاة ، دون أن ينتبه لخيوط الشمس التي تحاول أن تنعكس فيمتصها الهلال النحاسيِّ لقبّة الجامع .

المشاركات الشائعة